#adsense

لا تنسوا الأيتام

حجم الخط

لا تنسوا الأيتام

أطالب بإعلان يوم غد عطلة رسمية. المناسبة حميمة والخطب جلل. لا يجوز ان ينصرف اللبنانيون الى اشغالهم. على الدولة ان تكون حساسة وصاحبة مخيلة. تعلن الثلثاء عطلة وطنية. تطالب الأهل بالتحلق مع أولادهم قبالة الشاشات. من يدري فقد لا يتكرر المشهد قريبا. ثم ان من حق الشعوب اللبنانية ان تحتفل بعد حداد طويل. من حق المواطنين ان يرتعشوا امام المشهد المؤثر. الارتعاش الوطني حق وواجب. متعة لا يجوز شطبها. وهو بلد الارتعاشات اصلا. يرتعش سكانه دائما فرحا او حزنا او خوفا او قلقا او كمدا. يوم الارتعاش الوطني.

يمكن ايضاً اعلان عطلة في الانتشار اللبناني. انتشر اللبنانيون كثيرا. واكثر مما يجب. انتشروا وتبعثروا. في الداخل والخارج. وعلى المجتمعين ان يدركوا. عيون اللبنانيين المنتشرين سترنو إليهم. قلوب المنتشرين سترتعش. اجتماعهم كالبنيان المرصوص مشهد مذهل. سيشعر كل لبناني وبغض النظر عن منطقة انتشاره بأنه ربح جائزة اللوتو. كأنهم اجتمعوا لتوزيع الارباح. وتجديد ثقة المساهمين بهذه الشركة العجيبة. من تحت ثلوج كندا. ومن غابات البرازيل. ومن مناجم التعب الافريقية. من كل هذه الاماكن سيحدقون.

ومن يدري فقد يكون هناك من لا يزال يصدق. ان صفحة طويت. وان الغيمة عبرت. وسوء التفاهم زال. وان المشهد يكفي لدحض الشائعات. والرد على التخرصات. واحباط جهود اصحاب الاجندات المقلقة. كذبت الشاشات وكذبت الاقلام. قد يتصافحون. وقد يتبادلون الابتسامات. وقد يتعانقون. لا يصح الا الصحيح. انهم يحبون بعضهم بعضا بعنف وافراط وتهوّر. الفصول السيئة عابرة. يبكي الشهداء بصوت مرتفع. ومن يدري فقد تدمع عيون المنتشرين في القارات لرؤية المنتشرين حول الطاولة. وقد يتخذ احدهم قرارا ببيع كل ما يملك. والعودة في اول طائرة. لا ترتعش ايها المنتشر. تمهّل قليلا.

لا احب افساد الاعراس بالتشاؤم الجاهز. واعترف سلفا بالصفة التمثيلية الفعلية للمشاركين في طوائفهم ومذاهبهم ومناطقهم. لكن الايام اصابتني بمرض غريب. كلما تنادوا للحوار وجاؤوا إليه ينتابني خوف شديد. اخشى ان يطرح احدهم سؤالاً مريرا هو: اي لبنان نريد؟ والحقيقة انني كنت صغيرا. وسمعت سياسيين يطرحون هذا السؤال. وقلت غدا يجيبون عليه ونرتاح. لم يحالفني الحظ. لم اعد صغيرا. وها هو الشيب يستهل زياراته لي ولا يزال السؤال بلا جواب.

واذكر كنت صغيرا. تقاتلوا ثم شكّلوا لجنة. لوقف النار. والحوار. ثم انتكست اللجنة فتقاتلوا. ثم شكلوا لجنة لوقف النار والحوار. ثم عاودوا اللعبة نفسها. اصابتني الايام بمرض عجيب. كلما شكلوا لجنة اشعر ان النار ستندلع. كلما تحاوروا انصح بتنظيف الملاجئ استعدادا للجولة المقبلة. اخاف من اللجان. ومن اللجان الفرعية التي تنبثق منها. من الاوراق التي تتداولها اللجان. اخاف من القياديين والمستشارين. من تربيع الدوائر. ومن تدوير الزوايا. ومن استقدام الرعاة والمحلفين.

اشعر بالقلق من هذه الحيوية الجياشة. من هذه القدرة الفذة على الحوار. من شعب تجتمع قواه الرئيسية وكأن من حقها ان تقرر الآن الزواج او الطلاق. من توهم القدرة على زواج صالح او طلاق مخملي او تعايش بلا نكد. ثم ما هذه الرغبة في الحوار التي لا تلغي الحق في اطلاق النار؟ وما هذه القدرة على تكريس الحوار وارجاء غياب الدولة؟ كأن العيش في ظل الحوار يلغي الحاجة الى العيش في ظل الدولة. كأن الحوار فرصة لتأكيد التباعد او املاء الارادة لا اللقاء في منتصف الطريق.

لا اشك مطلقا في ان كلاً من المتحاورين يعتبر انه يدافع عن قضية نبيلة. في المقابل لا يمكن انكار ان التفكك اللبناني هو اليوم في ذروته. وان فكرة الدولة تتآكل وتتلاشى. واننا نندفع نحو الصوملة اكثر منا نحو العرقنة. وان المرء يريد الانتماء الى وطن لا الى طاولة حوار. ويريد العيش في ظل دولة ومؤسسات لا في ظل طاولة حوار. وان المرء يسلّم مصير ابنائه لدولة يحترم دستورها وتستطيع اجهزتها الأمنية والقضائية ان تعمل لا ان تصاب بدورها بوباء الحوار.

وتفادياً لاتهامي بالسلبية سأشارك في الحوار من بعد. اقترح استحداث مقعد اضافي حول الطاولة. مقعد الأيتام. فاللبناني العادي يتيم على رغم بقاء والديه على قيد الحياة. يتيم بسبب غياب الدولة او تعطلها. ولانه يطلب خبزا فيعطونه حوارا ويطلب كهرباء فيحقنونه بالحوار. الايتام هم الاكثرية الساحقة مما كان يسمى الشعب اللبناني. وسيطالب شاغل هذا المقعد بأن يتمخض لقاء غد عن ميثاق شرف ينص على ابقاء طريق المطار مفتوحة وبغض النظر عن فصول الحوار والشجار والقمار والانتحار. ان ما يشهده لبنان هو افضل وصفة للانتشار. انتشار المقيمين في جمهوريات مذهبية صغيرة وانتشار المزيد من اللبنانيين على أبواب السفارات وطريق المطار.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل