#adsense

وطنيّة ضدّ الطبيعة؟

حجم الخط

وطنيّة ضدّ الطبيعة؟

لا يأتي جديداً من يتحدّث عن صعوبة الوطنيّة في بلادنا، هي التي تقضمها الانتماءات الصغرى، كالروابط القرابيّة والطائفيّة والإثنيّة، والانتماءات الكبرى، كالعروبة السياسيّة والإسلام السياسيّ. لكنْ يلوح، كذلك، أن محاولة استخلاص وطنيّة لبنانيّة عبر عمليّات تسوويّة مع تلك الانتماءات أقرب الى الاستحالة. فالكيرى بينها، من خلال أنظمتها ومنظّماتها، لا ترضى بأقلّ من تحويل الوطن ساحة لصراع مباشر ومحتدم مع خصومها، ولا تقبل بغير العنف سياسةً في إدارة الاختلاف وبتّه. أما الانتماءات الصغرى فتحالف الجيوبوليتيك الداخليّ، إذا صحّ التعبير، لتجعل الوطنيّة اللبنانيّة كأنّها عمل ضدّ الطبيعة. والطبيعيّ، والحال هذه، ليس سوى رضوخ لـ»الدم الصغير» وللاستبداد المعزّز بالجغرافيا، والأفكار البالية المعزّزة بالتاريخ. وهو تاريخ شكّله عسف الأكثريّ، بالعدد أو بالسلاح، وخوف الأقليّ الذي تلتوي تعابيره فتغدو باطنيّة مرّة، فاجرة مرّة، دجّالة مرّة ثالثة، من غير أن تملك، مرّة واحدة، الرحابة التي تجعلها وطنيّة وديموقراطيّة.

ففي فعل الجغرافيا، أنه يستحيل تفعيل بيروت بوصفها عاصمة الوطنيّة اللبنانيّة، لأن «سلاح المقاومة» يحول دون ذلك. والتجربة، قبل أشهر قليلة، فصيحة في دلالتها. ويستحيل تفعيل طرابلس بوصفها كذلك، لأن الجوار السوريّ أذرعه ممدودة إلى طرابلس، مغروزة فيها. كما يستحيل تفعيل صيدا على هذا النحو، لأنها إن لم يُسقط دورَها هذا مخيّم عين الحلوة وسلاحه، أسقطه النطاق الجنوبيّ الأعرض وسلاحه. وعموماً، يشوب وطنيّةَ السنّة اللبنانيّين أسى وإحباط من النوع الذي يفسّر أهميّة «المحكمة» التي تأتي بالحقيقة قفزاً فوق موانع الداخل.

وفي الجغرافيا المشتبكة بالتاريخ، يسع المنضوي في 8 آذار أن يجاهر بتحالفه مع سوريّة وإيران، وأن يفخر بالتحالف هذا وبـ»طبيعته الاستراتيجيّة». أمّا الوطنيّ اللبنانيّ فيمنع على نفسه، للأسباب الكثيرة المعروفة والمحقّة، أن يقيم تحالفاً مماثلاً مع إسرائيل. وهذا يعني تعطيل مفاعيل الجغرافيا السياسيّة لمصلحة الجغرافيا الجغرافيّة. فكأنّنا، بقياس الحالة البولنديّة، نصفان: نصف موالٍ لروسيا يتلقّى تأثيراتها، ونصف معارض لها يرفض أن تكون لألمانيا تأثيرات مقابلة.

ومن الجغرافيا والتاريخ مجتمعين موقع الطائفة الدرزيّة التي يمتنع الكلام عن وطنيّة لبنانيّة ما لم تقم بتوحيد الجبل. فالطائفة تلك، مدفوعةً بتكوينها، تبادر، وأحياناً تذهب بعيداً وهائجة في مبادرة ذات حداء وهزج وطنيّين. لكنّها، محكومةً بحجمها، سريعاً ما تسقط رهينة أو تغدو رهينة محتملة. وفي الوطنيّ اللبنانيّ لا تبعث بورصة الكلام الجنبلاطيّ اللاعب واللاهي، بوصفه مرآة ذاك التناقض، إلاّ الإحباط العميق.

ويبقى مسيحيّو الوطنيّة اللبنانيّة الذين كانوا في السابق عمادها الأوحد، والذين قد ينتهي المطاف بهم المتوحّدين الصوفيّين معها في أديرة وكهوف ومعازل. لكنْ في مجرّد أن يحدث هذا، وأن يعود ذاك التطابق بين المسيحيّة والوطنيّة، حتّى تكفّ الثانية عن أن تكون كذلك لتعود نزعة تجمّعيّة سابقة على مفهومي الوطن والوطنيّة. وهذا، بدوره، باعث آخر على الأسى والإحباط يتصاحبان مع ضمور مكسب 14 آذار الأهمّ، أي بدايات جمع طوائف عدّة في مشروع واحد. فمَن يتقدّم، إذاً، يكون يُسرع نحو حتفه، مُقرّاً بأن الأوطان والوطنيّة سلع غربيّة فحسب لا تُشترى في الشرق، بل لا تُستورَد أصلاً إليه.

ولينعم في الانتصارات والجهالة، نسجاً على ما قال شاعر كبير وتحويراً له، «أخ الجهالة» أو أخوتها الكثر!

المصدر:
الحياة

خبر عاجل