حوار على برميل من ··· بارود!
تُسجّل العودة إلى طاولة الحوار غداً خطوة إيجابية جديدة في مسيرة رئيس الجمهورية الذي يحاول جاهداً تخطي الخلافات الداخلية، وتحدي الصعوبات والضغوطات الخارجية، والمضي قدماً في العمل من أجل طي صفحة الانقسامات الانتحارية، واستعادة الحد الأدنى من الوحدة الداخلية·
ولكن أجواء الارتياح التي أشاعتها الدعوة الرئاسية لطاولة الحوار، سرعان ما حوصرت بمناخات التوتر والاحتقان المهيمنة على أكثر من منطقة داخلية، وكان استهداف المحاولة الحوارية الجديدة مباشراً من خلال متفجرة بيصور التي نالت من أحد رموز الحوار والمصالحة في الجبل الشهيد صالح العريضي، الذي قام بدور مشهود في التصدي لنيران الفتنة في أيار الأسود، وثم في إعادة التعاون بين الزعيمين الدُرزيين في الجبل وليد جنبلاط وطلال أرسلان·
وإذا كانت متفجرة بيصور أصابت أكثر من هدف، وحققت مصالح أكثر من طرف داخلي وخارجي، إلا أنها فشلت في تحقيق أمرين خطيرين: ضرب المصالحة في الجبل، وتعطيل الحوار في بعبدا!·
ولا يخفى على أحد أن التحرّك الفوري والسريع الذي قام به حكماء بني معروف، وفي مقدمتهم والد الشهيد المغدور الشيخ الكبير فرحان العريضي، نجح في ضبط ردود الفعل، وإعادة السيطرة على الوضع في بيصور ومحيطها، بعدما كادت فورة الغضب تفلت من عقالها، وتودي بالأمور إلى ما لا تُحمد عقباه·
وعلى خط موازٍ، كانت اتصالات بعبدا تنشط على أكثر من صعيد محلي وعربي، لإزالة الألغام من طريق طاولة الحوار، وتأكيد العزم على عقد الجلسة الأولى للحوار قبل الرحلة الرئاسية إلى نيويورك وواشنطن، ولو كانت الجلسة بمثابة الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل الصعبة والمعقّدة!·
* * * الواقع أن الرئيس ميشال سليمان، راعي الحوار حسب اتفاق الدوحة، يُدرك أكثر من غيره حقيقة الصعوبات التي تعترض طريق الحوار وسبل التلاقي والتقارب بين اللبنانيين، ويعرف أيضاً أكثر من الآخرين حجم التعقيدات والتشابكات الخارجية المتراكمة، والتي لا تُساعد على خلق الأجواء المناسبة لتحقيق وفاق حقيقي وجديّ بين أبناء الوطن الواحد والمصير الواحد!·
غير أن بين الاستسلام للواقع المرير، بكل مخاطره وأوجاعه، وبين العمل على محاولة معالجة آلامه والحد من تداعياته، وصولاً إلى شاطئ الأمان، يبدو رئيس الجمهورية متمسكاً بالخيار الثاني، وبكل ما يحمله من آمال لتغيير هذا الواقع المرير، أو على الأقل الحد من مخاطره، والسعي إلى التقليل من خسائره على أقل تقدير·
ولكن الرسالة الدموية الموجعة التي وصلت إلى أهل الجبل المتمسكين بأسنانهم بالمصالحة، تبرز حجم التحديات المحدقة بطاولة الحوار··· وكأنها نُصبت على برميل من بارود!·
* * * على المسرح الداخلي، ما زالت اللعبة تدور حول الصراع على السلطة ومن يُمسك بشرعية القرار، ومن يملك قرار الحرب والسلم، وهل يحق لفئة أن تتسلح، وأن تعمد إلى استخدام سلاحها لحسم الخلافات مع الشركاء في الوطن؟ وهل تستطيع مجموعة أو حزب معيّن أن يتفرّد بالقرار عن كل اللبنانيين خارج إطار المؤسسات الدستورية الشرعية، وهل ما زال ممكناً الرهان على قيام الدولة <القوية والقادرة> في ظل التناحر المسيطر على العمل السياسي·
مثل هذه التساؤلات، وغيرها كثير، لا تجد الأجوبة المناسبة لها، في ظل انقطاع التواصل بين القيادات المتنازعة، وإزاء حالة الهريان التي ضربت التحالفات السياسية القائمة، وأمام آفة <الشللية> التي تكاد تحوِّل حكومة الوحدة الوطنية الى مجموعة من <الشلل> الوزارية، فضلاً عن استمرار الأحداث الأمنية المفتعلة والتي تنقل التوتر وشرارات الفتنة من منطقة إلى أخرى·
أما موضوع السلاح، فما زال أسير النقاش البيزنطي حول مفهوم <الاستراتيجية الدفاعية> وهل يعني دمج الجيش الوطني مع جيش المقاومة، أم الاكتفاء بنوع من التنسيق بينهما يُجنّب تكرار حادثة المروحية العسكرية في سجد!·
* * *
أما في المحيط العربي والإقليمي، فالصورة قد تبدو أكثر سواداً:
الخلافات العربية – العربية على حالها من التفاقم الذي أودى بمثلث القرار العربي: الرياض – القاهرة – دمشق، وليس ثمة ما يشير في الأفق إلى قرب معالجة الخلاف السعودي – السوري حول تعاطي دمشق مع ملفات المنطقة الساخنة في لبنان وفلسطين والعراق·
الوضع الاسرائيلي الداخلي مرتبك بسبب الخلافات الحزبية والشخصية على خلافة أولمرت، واستمرار النقاش المحتدم حول أوضاع المؤسسة العسكرية التي تعرضت لاهتزاز كبير في حرب تموز 2006 مع لبنان·
واستمرار هذا الارتباك الإسرائيلي إلى ما بعد الانتخابات النيابية في ربيع العام المقبل، يعني استبعاد تحقيق أي تقدم فعلي في المفاوضات الحالية مع سوريا، في الوقت الذي يُبقي الباب مفتوحاً أمام مغامرة عسكرية إسرائيلية جديدة ضد لبنان أو إيران، في سياق الصراعات الداخلية المتصاعدة على السلطة والزعامة في الدولة العبرية·
على الصعيد الدولي أيضاً، ثمة تراجع واضح في الاهتمام الأميركي والأوروبي بالأوضاع اللبنانية· وباستثناء المتابعة الخاصة للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لتطورات الوضع اللبناني، فإن الإدارة الأميركية الحالية تكاد تكون قد توارت عن المسرح اللبناني، وهي تلملم هزائمها وأخطاء سياساتها في المنطقة وصولاً الى أفغانستان وباكستان، والاتحاد الأوروبي يعطي المسائل الأوروبية المتفجرة خاصة في جورجيا، بعد الحرب مع روسيا، وفي بولندا، بعد نشر الصواريخ الأميركية على أراضيها، يعطي هذه المسائل الأولوية المطلقة، فضلاً عن الاهتمام الأوروبي المستمر بالملف النووي الإيراني·
* * *
ماذا يمكن لطاولة الحوار الوطني أن تحقق في ظل الظروف الداخلية الصعبة، وفي إطار الأوضاع العربية والإقليمية والدولية المضطربة؟·
الحقيقة، ليس من مصلحة أحد أن يبيع اللبنانيين آمالاً هي أشبه بالأحلام المستحيلة في ظل المعطيات المحلية والخارجية المتداخلة والمتشابكة في ما بينها إلى درجة لم يعد من السهل فصل المحلي عن الخارجي!!·
ومع ذلك، تبقى العودة إلى طاولة الحوار أفضل بكثير من إبقاء الخلافات المستحكمة بالاحتقان المذهبي والمناطقي فالتة في الشارع، يتلاعب بنيرانها كل من تسول له نفسه أن الساحة اللبنانية مفتوحة لتصفية حساباته مع خصومه·
المهم أن نُبعد الحوار عن برميل البارود··· بتأكيد العودة إلى لغة الحكمة والعقل، بعيداً عن <مغريات> استخدام السلاح و··· العضلات!!·