#adsense

اللبنانيون يعيشون هدنات مفتوحة على حرب وسلم

حجم الخط

لأنه ممنوع عليهم منذ عقود أن يتصالحوا ويتوحّدوا
اللبنانيون يعيشون هدنات مفتوحة على حرب وسلم

يبدو أنه مكتوب لبنان ان يبقى في وضع غير مستقر سياسيا وامنيا واقتصاديا وان يعيش حالات هدنة قد تطول او تقصر لكنها مفتوحة على شتى الاحتمالات على حرب او سلم وان يهتز الامن فيه من حين الى آخر بدون ان يؤدي ذلك الى الانهيار، وان يبقى لبنان في المستشفى ينتقل من الغرفة العادية الى غرفة العناية الفائقة، ويعاني من آلام المرض، فلا يشفى منه ولا يموت…

هذا الوضع عاشه لبنان منذ ان كان يعرف بلبنان الصغير ثم عندما اصبح يعرف بلبنان الكبير، فعندما كان يسوء فيه الامن، كانت تشتد حالة الفقر وموجة الهجرة وعندما كان يهتز الامن فيه يهتز معه الاستثمار والازدهار. ولم يكن مسموحا للبنانيين ان يكونوا متفاهمين ومتصالحين لان سياسة "فرّق تسد" هي التي اعتمدها كل مستعمر او محتل او وصي، ففي زمن الانتداب الفرنسي كان التعامل مع فئة لبنانية متميزا عن التعامل مع فئة اخرى مما اوجد في البلاد "ابناء ست" يؤيدون الانتداب ويدافعون عنه و"ابناء جارية" يناهضونه ويعادونه. وفي زمن الاستقلال اساءت ما سمي "المارونية السياسية" الى الشريك المسلم الآخر في تعاملها معه فوصف رئيس الجمهورية بملك ورئيس الحكومة بـ"باشكاتب". وعند نشوب الحرب في لبنان عام 75 وكانت حربا مدبرة ترمي الى وضع لبنان تحت الوصاية السورية، خير الزعماء المسيحيون المحاربون بين القبول بدخول القوات السورية لانقاذهم من الهزيمة العسكرية التي كانوا مهددين بها واما مواجهة هذه الهزيمة، وقد تعرض كل زعيم مناهض لاستمرار هذه الحرب ويعمل على مصالحة المتحاربين لوقفها اما لمغادرة لبنان قسرا واما للاغتيال وتعاملت الوصاية السورية مع فئة لبنانية خلافا لما تعاملت به مع فئة اخرى بهدف الابقاء على الخلافات والانقسامات بين اللبنانيين، فجعلت الفئة المميزة بالمعاملة تؤيد استمرار الوصاية والدفاع عنها، والفئة الاخرى تناهضها وتطالب بزوالها، حتى ان انتخابات 1992 جرت بمن حضر رغم مقاطعة 85 في المئة من الناخبين جلهم من المسيحيين، واعتبرت الوصاية السورية ومن معها مجلس النواب المنبثق من انتخابات كهذه مجلسا شرعيا يمثل ارادة الشعب اللبناني تمثيلا صحيحا…

وعندما انتهت الوصاية السورية على لبنان بفضل "ثورة الاستقلال" و"انتفاضة الاستقلال" نجحت سوريا بواسطة من تبقى من حلفائها في لبنان سواء في السلطة وخارجها في منع هذه الثورة من اكمال طريقها واحداث التغيير الكامل في السلطة واذا بالبلاد تدخل في مواجهة سياسية بين سلطة جديدة لم تكتمل معالمها، وسلطة قديمة تشكل البقية الباقية من الوصاية السورية وتخلل هذه المواجهة الحادة بين السلطتين، اعمال عنف واغتيالات الى ان جرت الانتخابات النيابية عام 2005 فكان الفوز فيها باكثرية المقاعد النيابية لقوى 14 آذار، لكن سوريا استطاعت بواسطة اتباعها وحلفائها في لبنان ان تحول دون تمكين هذه الاكثرية من الحكم من خلال اقلية قادرة على تعطيل الانتخابات الرئاسية وذلك بالحؤول دون تأمين نصاب الثلثين لاجراء هذه الانتخابات وعلى تعطيل تشكيل حكومة من الاكثرية بامتناع الطائفة الشيعية الممثلة بأكثريتها بـ"حزب الله" وحركة "امل" عن المشاركة فيها اذا لم تتمثل الاقلية المعارضة بالثلث المعطل، فاستمرت ازمة الانتخابات الرئاسية مدة ستة اشهر، وازمة تشكيل حكومة جديدة اكثر من سنة واكتمل "نقل" الازمات بـ"زعرور" اقفال ابواب مجلس النواب اكثر من سنة ايضا…

واخذت البلاد تشهد انقساما سياسيا حادا بين تحالف قوى 14 آذار وتحالف قوى 8 آذار انعكس اضطرابات امنية في غير منطقة كان اخطرها تلك التي وقعت في مخيم نهر البارد بين عناصر "فتح الاسلام" والجيش اللبناني، ثم في بعض مناطق بيروت وبعض مناطق الجبل في 7 ايار، ثم في بعض مناطق طرابلس والبقاع، مما انبأ باشعال فتنة مذهبية تفتح الباب لتدخل خارجي، ولاحتمال عودة الوصاية السورية الى لبنان الكفيلة وحدها حفظ الامن والاستقرار ولتثبت مرة اخرى ان اللبنانيين عاجزون عن ان يحكموا انفسهم بانفسهم لانهم لا يزالون قاصرين…

وعندما تصدى رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري لخطر احتمال قيام فتنة داخلية باجراء مصالحات بين السياسيين المتخاصمين بدءا بطرابلس ومرورا بالبقاع، تحرك المتضررون من هذه المصالحات في محاولة منهم لعرقلة نجاحها او اكتمالها، ولم يكن هؤلاء راضين عن قيام تحالف درزي بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ورئيس الحزب الديموقراطي النائب السابق والوزير الحالي الامير طلال ارسلان، فتم اغتيال القيادي في الحزب صالح العريضي، وباتت اوساط سياسية تخشى ان يعود مسلسل الاغتيالات واعمال العنف كلما تقدمت مسيرة المصالحات وسجلت نحاجات في اكثر من منطقة سواء بين الطوائف المسيحية والاسلامية او داخل كل طائفة، حتى ان الاوساط نفسها تخشى ان يقابل كل نجاح يحرزه المدعوون الى طاولة الحوار في القصر الجمهوري، اهتزازات امنية هنا وهناك، وربما اغتيالات كما حصل عند تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، اذ ان اللجوء الى الشارع لتعكير الامن كان يحصل كلما تعقدت عملية التشكيل وذلك من اجل الابقاء على الخلافات والانقسامات الحادة بين اللبنانيين بحيث يصير كل حزب اثنين او ثلاثة، حتى اذا حان موعد الانتخابات النيابية المقبلة، والوضع في البلاد على هذه الصورة، يتعذر اجراؤها في موعدها، كما تعذر اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها فتدخل البلاد عندئذ الوضع الشاذ الذي قد تسوده الفوضى والمصير المجهول، واذا جرت في موعدها فانه يخشى ان تكون انتخابات دامية تزيد الانقسامات حدة والخلافات عمقا، فيتعذر عندئذ تشكيل حكومة قادرة على توفير الامن والاستقرار، فيعطي اللبنانيون للداخل والخارج سببا آخر عن عجزهم وقصورهم في ان يحكموا انفسهم بانفسهم، وانه لا بد من وصاية عليهم.

لذلك ليس سوى المصالحات التي بدأها النائب سعد الحريري والحوار الذي دعا اليه الرئيس سليمان ما يوفر المناخات الصافية والاجواء المؤاتية لاجراء انتخابات نيابية هادئة تكون حرة ونزيهة وتحكم بنتيجتها الاكثرية والاقلية تعارض كي يعود لبنان الى ممارسة النظام الديموقراطي ممارسة صحيحة لا تشوبها شائبة تمسح صورة هذا النظام. وهو ما دعا اليه مجلس المطارنة الموارنة في ندائه التاسع وهو: "ان تجرى الانتخابات في جو مؤات بعيدا عن اضطرابات ومشكلات وان يتاح للشعب اختيار من يشاء للنيابة بمعزل عن اية ضغوط واغراءات. فاما ان يكون لبنان دولة تعي مسؤولياتها واما ان تتراخى فتتنازل عن صلاحياتها لغيرها وتعتزل كل مسؤولية"…

المصدر:
النهار

خبر عاجل