حوار الهدنة والتهدئة لا حوار الحلول
اللبنانيون الذين يصيبهم عدم الاستقرار السياسي والامني في بلادهم بأضرار مباشرة ويعرّضهم استمرار المشكلات اللبنانية من دون حل سواء التي لها خلفيات اقليمية او دولية او التي لها خلفيات محلية بحتة ونابعة من التخلف أكثر من أي شيء آخر – هؤلاء اللبنانيون ينتظرون افتتاح مؤتمر الحوار الوطني الذي دعا اليه رئيس الجمهورية ميشال سليمان يوم الثلثاء المقبل بصبر نافد. لكنهم يعرفون او يفترض ان يعرفوا كي لا يصابوا بصدمة او بخيبة أمل اموراً عدة. أولها، ان الحوار لن يكون مقيداً بزمن اي قد يكون مفتوحاً أو بالاحرى قد يستغرق وقتاً طويلاً. وذلك يعني ان الجلسة الاولى قد تكون اجرائية بمعنى من المعاني وانها قد تخصص لوضع جدول أعمال بالقضايا التي يفترض ان يتناولها الحوار. وان الاعتماد للحصول على نتائج سيكون على الجلسات اللاحقة من دون اي تحديد لعددها. وثانيها، ان الحوار لن يجد حلاً لمشكلة سلاح المقاومة أي سلاح "حزب الله" كما يعتقد كثيرون أو كما يتمنى كثيرون. فأصحاب هذا السلاح أكدوا أكثر من مرة ولا يزالون يؤكدون يومياً ان هذا السلاح خارج الحوار والبحث، أي لن يتخلوا عنه وتالياً التخلي عن القرارات السياسية والسيادية التي يمكنهم امتلاكهم اياه من اتخاذها وتنفيذها. وما هو مطروح للحوار هو التفاهم على استراتيجيا دفاعية للبنان ثم من خلالها تحديد العدو والصديق ووضع العقيدة القتالية أو بالأحرى تثبيت العقيدة القتالية الوطنية للقوى المسلحة اللبنانية التي تم التفاهم عليها وتنفيذها أيام الوصاية السورية على لبنان. وهذا موضوع متشعب وشائك ومعقّد. ذلك ان هناك استراتيجيا تحرير وهي لا تزال مطلوبة لأن الاحتلال الاسرائيلي لا يزال مستمراً لاراضٍ لبنانية معينة. وان هناك استراتيجيا دفاع وحماية بعد زوال الاحتلال. والاستراتيجيتان ينفذهما الآن "حزب الله" ومقاومته.
ولا تملك الدولة الامكانات التي تمكنها من اقناع هذا الفريق ورعاته الخارجيين بقدرتها على تأمين الأمرين أي الحماية والدفاع في وجه اسرائيل وخصوصاً بعد الصمود والردع اللذين أثبت الحزب قدرته على ممارستهما في حرب تموز 2006. ولا يبدو استناداً الى المعلومات المتوافرة ان أياً من هذه الدول القادرة على تسليح دولة لبنان أي مؤسساته العسكرية الرسمية وفي مقدمها اميركا تنوي تمكينه من الحصول على ما يحتاج اليه من سلاح للدفاع والحماية والردع واسباب ذلك واضحة ومعروفة. كما لا يبدو ان في مقدور قوات لبنان العسكرية والامنية استيعاب هذه الاسلحة واستعمالها بكفاية في سرعة، الأمر الذي يفرض استمرار الاعتماد على "البديل" الموقت الذي قد يصير دائماً او شبه دائم كما هي العادة في لبنان اي "حزب الله" ومقاومته. أما ثالث الأمور التي يعرفها اللبنانيون او يفترض ان يعرفوها فهي ان بلادهم الآن ساحة مواجهة حادة وشرسة اقليمية – اقليمية واقليمية – دولية وقد يصبح لاحقاً ساحة لمواجهة ثالثة دولية – دولية وخصوصاً اذا استمر التوتر في العلاقات بين اميركا وروسيا الاتحادية أو بالاحرى اذا تفاقم وتحول صراعاً غير مباشر او تكراراً وإن مختلفاً بظروفه وادواته واهدافه للحرب الباردة القديمة التي انتهت عام 1989، وهي ايضاً إنهم ادوات هذه المواجهات والوقود. ويعني ذلك وبكل صراحة وصدق ان هناك استحالة لإيجاد حل لسلاح المقاومة والاستراتيجيا الدفاعية ولقضايا أخرى كثيرة يستعملها الخارج المتنوع في حروبه عبر لبنان. اذ ان المواجهات المذكورة أعلاه لم تنته بعد سواء بغالب ومغلوب أو بتسوية او صفقة أو تفاهم. فضلاً عن ان الاطراف اللبنانيين فيها نوعان. واحد يعتبر نفسه ملتزماً هذه المواجهات انطلاقاً من تماثل ايديولوجي او ديني أو قومي مع اطرافها. ولذلك فانه لن يتخلى عن دوره فيها ولن يساهم في اقفال ساحتها. وآخر أوصلته سياسات المصالح الطائفية والسياسية والمذهبية والنكاية والكيدية الى الوقوع بين ايدي اطراف الخارج المتواجهين في لبنان. فلم يعد في امكانه التخلي عن دوره معهم وإن رغب في ذلك فضلاً عن ان المكاسب التي يوفرها لهم ذلك وخصوصاً لقادتهم يجعلهم يتناسون احياناً ما يعتمل في نفوسهم من مرارة ويصدّقون انهم اصحاب اوزان مهمة في الحياة السياسية اللبنانية بل الاقليمية كي لا نقول الدولية.
هل يعني ذلك صرف النظر عن الحوار؟
سيكون ذلك جريمة رغم اقتناع الكثيرين من العارفين بصعوبة تحقيق ما يأمله المواطنون العاديون منه. اذ ان البديل من هذا الحوار برئاسة رئيس الجمهورية وفي صرحها سيكون إما الإقتتال في الشارع أو استمرار التدهور الامني والسياسي. طبعاً لن يعني استمراره استقراراً تاماً لا تعكره عمليات اغتيال او تفجير أو صدامات متنوعة بل يعني استقراراً نسبياً وسعياً مستمراً لضبط أي إخلال ومنع تحوله اشتباكاً كبيراً ففتنة ثم حرباً لا تبقي ولا تذر. ولذلك فان لا ضير لاحقاً في الاتفاق على التحاور في شأن قضايا اخرى مهمة تقلق بال الشعوب اللبنانية، مع الاستمرار في الحوار حول الأمن والاستراتيجيا الدفاعية وسلاح المقاومة شرط ألا يكون ذلك على حساب مؤسسات الدولة مثل مجلسي النواب والوزراء. وفي المرحلة الراهنة لن يكون الحوار على حساب هذه المؤسسات لأنها موجودة في الشكل فقط ومن دون أي فاعلية. وربما الحوار الوطني وخصوصاً اذا ابعد عن المزايدات يستطيع تفعيل المؤسسات ومساعدتها على العمل. في اختصار ان من ينتظر حلولاً من الحوار للقضايا الكبرى التي تفرّق اللبنانيين كمن ينتظر سرابا. فهذه الحلول ستبقى مستحيلة الى ان تهدأ المنطقة وتنتهي المواجهات فيها وذلك ليس قريباً. ولذلك لا بد من تثبيت الهدوء أو الهدنة أياً تكن التسمية. لكن ما يجب ان ينتبه اليه اللبنانيون هو ان مشكلاتهم لن تحل تلقائياً اذا ما استراحت المنطقة وتوقفت المواجهات المتنوعة فيها وعليها. ذلك ان جزءاً اساسياً منها سببه انقساماتهم التي سمحت للخارج المتنوع بالتدخل واستعمالهم وتحويل بلادهم ساحة. وعليهم يوم يحل الهدوء الاقليمي – الدولي اذا حل ان يبادروا الى ازالة هذه الانقسامات والتفاهم على وطن نهائي فعلاً وقابل للحياة وعلى نظام حكم فيه يثبت اولوية الانتماء الى الوطن عند اللبنانيين على أي انتماء آخر. طبعاً اللبنانيون مستعجلون. ربما لأنهم اكتووا اكثر من مرة، لكن المستعجل لا يصل او يصل الى غير الهدف الذي يريد تحقيقه.