#adsense

الإستراتيجية الدفاعية تبدأ ميدانياً بأمن مختلف

حجم الخط

الحوار بعد عودة الهرمية المؤسساتية يبرز التحدّي الأساسي
الإستراتيجية الدفاعية تبدأ ميدانياً بأمن مختلف

مع ان الحوار الذي سيطلقه رئيس الجمهورية ميشال سليمان غداً الثلثاء في القصر الجمهوري ليس واضح المعالم ولا الآلية ويطرح اسئلة كثيرة لا اجوبة عنها حتى الآن، فان هذه الجلسة الاولية ستطلق في رأي مراقبين ديبلوماسيين النقاش الداخلي وربما ايضا بعض المساعدة من المناقشات مع الخارج الصديق من اجل تحديد المراحل اللاحقة له وحيثياته. ويعتبر هؤلاء ان رئيس الجمهورية كان امام تحدي اطلاق الحوار بسرعة تنفيذا لاتفاق الدوحة من جهة وانسجاما مع مطالبات الافرقاء السياسيين العلنية من جهة اخرى، ولان تأجيل الامور قد يجعل المبادرة تفلت من يده لاحقا في حال لم يعمد الى الاستفادة من القوة المعنوية التي يملك من حيث المبدأ في الاشهر الاولى لانطلاق حكمه. والنقاش الداخلي قائم اصلا حول موضوع الاستراتيجية الدفاعية، انما في ظل تجاذب لا يتوقع ان ينتهي، بل على العكس، الا ان الموضوع سيكون متاحا اكثر ربما لافكار من هنا وهناك خصوصا انه سبق لعدد من الدول والمنظمات الدولية كالامم المتحدة مثلا وسويسرا التي يستشهد كثيرون بها نموذجا لتعايش بين الجيش الفيديرالي والميليشيا – كما يقولون، على رغم وجود سوء فهم كبير في هذا الصدد – سبق لهؤلاء ان اقترحوا المساعدة التقنية في هذا الاطار، اي المساعدة عبر خبراء سبق ان ادلوا بدلوهم واكتسبوا خبراتهم من تجارب مماثلة اخرى في العالم. ولعل لبنان قد يستفيد من ذلك في احدى مراحل الحوار اللاحقة، اذا كان هناك نية جدية حقيقية لدى الجميع في ايجاد الحلول وعدم الاكتفاء بتبسيط المشكلة من البعض وتعقيدها من البعض الاخر او اثارة التحديات من خلال شكل الحوار من حيث توسيعه وما شابه من اقتراحات.

والتحدي الاساسي الذي يواجه رئيس الجمهورية والدولة اللبنانية معه لا يتمثل في تحديد الاستراتجية الدفاعية وماهيتها وطبيعتها في ظل تعقيدات اقليمية لا يبدو انها محددة زمنياً، وقد لفت هؤلاء المراقبين ما اعلنه الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله اخيراً ان الوضع في لبنان مرتبط بملفي النووي الايراني والمفاوضات السورية – الاسرائيلية، وهو امر معروف من الجميع، لكن اللافت فيه اعلانه على لسان الامين العام للحزب وعدم رفضه ما يساق في هذا الاطار، بل تأكيده، بما يشي بصعوبة الامور على هذا الصعيد. الا ان الدولة اللبنانية هي في موقع التحدي ما لم يصر الى تنفيذ خطوات اتفق عليها في الدوحة لجهة "اطلاق الحوار حول تعزيز سلطات الدولة اللبنانية على كل اراضيها وحصر السلطة الامنية والعسكرية على اللبنانيين والمقيمين بيد الدولة"، في حين تتوالى التطورات الامنية المتنقلة بين المناطق كأنما تمتحن الدولة اللبنانية في الامساك بالارض قبل البدء بموضوع الاستراتيجية الدفاعية. وهذا قد يكون مقصودا في رأي هؤلاء المراقبين، رغبة لدى افرقاء اقليميين وداخليين في ابقاء الاوضاع غير مستقرة في لبنان لاعتبارات متعددة ومصالح سياسية مختلفة عن المصلحة اللبنانية واستمرار ربط الوضع اللبناني بالوضع الاقليمي، الا ان الحاجة ماسة الى تأمين الامن والطمأنينة في الداخل على غير ما كان الوضع في الاعوام الثلاثة الأخيرة. فثمة اسلحة قدمت الى الجيش يقول الاميركيون انها من الاسلحة التي طلبها لحاجته اليها، فضلا عن تدريبات اخضع لها كثيرون من العناصر في كل المجالات. اضف الى ذلك ان الهرمية المؤسساتية بدءا من انتخاب رئيس الجمهورية عادت لتضع الاساسات لعودة الدولة بمؤسساتها الشرعية من حيث المبدأ، وان كانت لا تزال تشوب هذه العودة ثغر كثيرة. ولذلك من الصعب مثلا تقبل حصول المزيد من الاغتيالات او الجرائم من دون كشف خيوطها ومرتكبيها ومسبباتها. وقد مرت اكثر من ثلاث سنوات على تسليط لجان التحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه الضوء على الخلل الكبير في الادارة الامنية في كشف الجرائم، وعلى الثغر في التنسيق بين الاجهزة الامنية. وحتى الان ارتكبت جرائم متعددة في الاشهر الاخيرة، احداها التفجير في حافلة للنقل في طرابلس استهدفت جنودا للجيش، ثم اغتيال الشيخ صالح العريضي.

وهذا يطرح اسئلة متعددة من بينها كيف يمكن البدء باستراتيجية دفاعية تختصر تحت عنوان التنسيق بين الجيش والمقاومة بالنسبة الى "حزب الله" وحلفائه، فيما يرغب الآخرون في ايجاد حل يعطي الاولوية للقوى الامنية اللبنانية وسلطتها على اي سلطة اخرى، في حال لم تتم مواكبة ذلك بسلطة او ادارة امنية تمسك بالارض وتوفر الامن في الداخل واقعا وليس نظريا؟ اذ ليس المطلوب شعارات رنانة من دون معنى كتلك التي رفعها العهد السابق حول دولة القانون والمؤسسات وما شابه ذلك، بل جدية كبيرة على مستوى الاجهزة الامنية والتنسيق في ما بينها في عمل مشترك يقدم نتائج ملموسة توحي الثقة للمواطنين بأن الجرائم متى وقعت فهي لا تعني انها وقعت ولم يعد يمكن القيام بشيء لتفاديها او معالجتها او حتى السعي لاستباقها. وكثر يعتقدون ان هدفا من هذا النوع، اي استراتيجية دفاعية متكاملة يضعها رئيس الجمهورية كاولوية قصوى لتحقيقها خلال عهده، هو اهم ما يقدمه الى لبنان.

المصدر:
النهار

خبر عاجل