#adsense

إعلام وعدالة

حجم الخط

إعلام وعدالة

لا يمكن لوسيلة اعلامية كالتي تقرأها الآن عزيزي القارئ، تعرضت للقصف والحرق والتخريب والتوقيف القسري عن الصدور، إلا أن تكون متضامنة مبدئياً مع كل وسيلة اعلامية أخرى مقروءة كانت أم مسموعة أم مرئية. ولا يمكن لها الا أن تكون مع الحق وأصحابه والكلمة وروادها والقلم وحامليه والكاميرا وعدستها في مواجهة كل نقيض لكل معطى ورد ذكره.

… ثم ان الوسيلة الاعلامية (يا إخوان) هي وسيلة اعلامية، أي بالعربي الفصيح ليست مركزاً للمخابرات، ولا ثكنة عسكرية، ولا مخيماً ارهابياً، ولا قاعدة للتدريب على القتل والتخريب والتفجير والخطف والاغتيال، كما أنها ليست، في الوقت نفسه، محكمة جنائية أو عسكرية أو مدنية أو ما شابه ولا هي مقرٌ للمدعي العام ولا لغريمه… وأهلها (أي الوسيلة الاعلامية) ليسوا قضاة محلَّفين يحملون في يمينهم سيف القانون ويحكمون بالعدل والقسطاس بل هم كسائر خلق الله خاضعون لأحكام ذلك القانون ويتمنون لعدالته أن تسود سيادة لا طارئ عليها.

… ثم ان الوسيلة الاعلامية (يا إخوان) تبقى متقدمة على غيرها من وسائل المجتمع المدني الأخرى. لأنها في واقع الحال، تلعب دور المرآة العاكسة لما تراه ويمر أمامها، وتبقى مهما كان نوعها وطبيعتها، بنت بيئتها أو لا تكون أبداً: تنقل لطائف تلك البيئة ومصاعبها، عللها وأمراضها وبواعث الشفاء فيها. ترفها وقحطها، خضرتها ويباسها، ليلها ونهارها، فنها وسياستها، حياتها وموتها. هي بهذا المعنى، سلطة معنوية أخاذة. سلاحها الحكي والكتابة والتصوير والتلوين ولذا تبقى هدفاً سهلاً وصعباً في الوقت نفسه، والتطاول عليها يحسب له ألف مليون حساب… وكان ذلك يتم حتى في أعتى الدول بطشاً واستبداداً وقمعاً ونزقاً وارهاباً وانغلاقاً.

… وساحرٌ جو الاعلام، لمن هو غريب عليه، وبطّاش مخملي. سلاح بطشه الكلمة التي كانت في البدء سارحة مع خلق الله، على مرّ الأزمان والعصور منذ آلاف السنين. تنتقل في الدنيا، ولا جدال في قوتها وطغيانها وخلودها. لا يوقفها شيء لا ريح ولا حر ولا شمس ولا برد ولا حدود ولا سدود ولا عسكر ولا حرامية ولا جيوش وأحزاب وميليشيات ولا تعاقب الأجيال والدول والرجال…

كل ذلك من حيث المبدأ والمؤخر، والأصل والفرع والمتن والأطراف… لكن (وهذه صعبة) هناك محطات تلفزة محلية عندنا تشبه محطات "التران": اتجاه واحد، وصنف واحد من الركاب وصنف واحد من الكلام وأصناف شتى من فنون الشتم والتزوير والتحريض… وادعاء الموضوعية! تسترخص الكلام البذيء والضيف البذيء ثم تملأ الدنيا ضجيجاً وصراخاً اذا طالبها أحد ضحايا الافتراء بالاعتذار أو تصحيح الخطأ أو حصل على حكم قضائي لصالحه.

الكلام صعب في هذا الشأن (وأصعب بكثير مما يفترضه الكثيرون) لكن منطق العدالة لا يُقسّم والبديهة الأولى في الحق أنه يعلو ولا يعلى عليه… ولأن الاعلام حالة متقدمة ومميزة (كما سبق الشرح والتعليل) فمن الأولى أن يكون حالة متقدمة ومميزة في الخضوع للقانون وأحكامه… والعدل وسلطانه. أليس كذلك يا أخوان؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل