#adsense

عن اغتيال العريضي .. و”الحوار الوطني” .. والمصالحات

حجم الخط

عن اغتيال العريضي .. و"الحوار الوطني" .. والمصالحات
"لا تسرع .. فالموت أسرع"!!

لم يكن يخطر في بال أحد، ولا في بال الرئيس ميشال سليمان ربما، أن يأتي الرد على دعوته لاستئناف "الحوار الوطني" بهذه السرعة ـ أقل من أربع وعشرين ساعة ـ وأن يكون دموياً في استعادة مروعة لمرحلة الاغتيالات السابقة من خلال استهداف الشهيد صالح العريضي في الجبل.

بتحديد أكثر، كان الظن أن أحداً ما (مجهولاً، كما هي العادة ؟!) سيحاول وضع العصي في درب الحوار، أو حتى نسفه من أساسه، ولكن من داخله، أي أقله بعد أن يبدأ، وأن الأطراف اللبنانيين الذين وقعوا على "اتفاق الدوحة"، ثم عادوا الى بيروت فانتخبوا رئيس الجمهورية وشكلوا "حكومة وحدة وطنية" وصاغوا، ولو بعد جهد، بيانها الوزاري ثم أعطوها الثقة في مجلس النواب، سيتابعون الحوار في كل حال … حتى ولو لم يصلوا فيه الى نتيجة سريعة.

لكن هذا الـ"أحد" ما لم ينتظر حتى موعد الحوار، أو التئام جلسته الأولى، فسارع الى تفجير "رسالته" ـ التي وصلت، بحسب المعنيين بها مباشرة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ورئيس "اللقاء الديموقراطي اللبناني" الوزير طلال أرسلان ـ والتي لن تؤدي، كما قالا علناً، الا الى المزيد من الوحدة في الجبل، وتالياً في لبنان كله، في مواجهة أية تفجيرات (أو اغتيالات) قد تشن في وقت لاحق … سواء كانت للرد على وقوف الجبل موحداً يومي السابع والثامن من أيار الماضي، أو لمحاولة اعادته ـ وتالياً اعادة لبنان كله ـ الى ما كان عليه قبل ذلك التاريخ.
ولا يخفى ما لهذا الموقف، داخل الطائفة الدرزية وفي الجبل، من تأثير مباشر على "الحوار الوطني" المنتظر.

والواقع أن ذلك بالذات ما كان قد بدأه رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري في طرابلس، ثم انتقل الى البقاع لاستكماله، في الوقت الذي كان فيه الرئيس ميشال سليمان يحدد موعد التئام طاولة الحوار برئاسته.

وبهذا المعنى، فلم يكن المستهدف في اغتيال العريضي طاولة "الحوار الوطني" وحدها، ولا حتى موعد انعقاد الحوار وحده، بل أولاً وأساساً كل جهد يساهم في جعل الحوار ينطلق على سكته الصحيحة. وبالمعنى اياه، تكون المصالحات في حد ذاتها ـ فضلاً عن المتصالحين أو الراغبين في المصالحة ـ هي نقطة التصويب في هذه الجريمة وما قد يليها.

لماذا ؟!، وكيف ؟!.
يقود السؤال الى العودة مجدداً الى "اتفاق الدوحة"، وما سبقه وتلاه من ممارسات ومواقف، علها تكشف بعض الملابسات التي رافقت تلك المرحلة … واذاً، بعض ما قد يكون اللبنانيون مقبلين عليه في الآتي من الأيام.

في ما تلى "اتفاق الدوحة"، سيكون من قبيل الغباء المفرّط اعتبار "المناوشات" المتنقلة من منطقة في لبنان الى أخرى، ومن حي في بيروت الى آخر، هي مجرد حوادث فردية تعود الى "عناصر غير منضبطة" (أحد مصطلحات الحرب الأهلية) لسبب واحد هو أنها ليست كذلك اطلاقاً. واذا كان بعض الظن اثماً، كما تقول القاعدة الشرعية، فبعضه الآخر ليس كذلك وفقاً للقاعدة نفسها … بدليل العبوة الناسفة التي استهدفت جنود الجيش اللبناني في قلب طرابلس قبل ساعات من انتقال الرئيس سليمان الى دمشق في أول زيارة رسمية الى سوريا، كما بدليل ما وصف بـ"هدنات" عقدت وما لبثت أن انهارت في سعدنايل وتعلبايا من جهة وفي طرابلس من جهة ثانية وفي أحياء بيروت المتعددة من جهة ثالثة … فضلاً عن مخيم عين الحلوة الذي تكاد التفجيرات والاشتباكات تكون خبزه اليومي.

وعلى المستوى السياسي، فليس من دون معنى أو هدف تكرار الخلط ـ عن غير وعي وربما عن سابق تصور وتصميم ـ بين "اتفاق الدوحة" بما هو اتفاق استثنائي ومؤقت للخروج من مأزق طارئ أدخلت فيه البلاد لسنوات وبين "اتفاق الطائف" بما هو الركن الأساس والعمود الفقري للدستور.
ولا كذلك من دون معنى أو هدف حديث البعض عن أن الدوحة تقدم فرصة "صيف هادئ" لمن يريد من اللبنانيين السياحة والرقص ولمن يريد منهم تكديس الثروات أن يكون له ذلك.

وعلى المستوى نفسه، فلعل "المعركة" الدونكيشوتية التي افتعلت حول صلاحيات نائب رئيس الحكومة، والمطالبات بتوسيع طاولة الحوار، واضافة بنود جديدة (الاستراتيجية الاقتصادية، وربما البيئية لاحقاً، وكأن لا وجود لحكومة) الى جدول الأعمال، واقرار قانون الانتخابات في مجلس النواب قبل المباشرة بالحوار، تكفي كدليل آخر.

أما ما قبل "اتفاق الدوحة"، فحديثه طويل بقدر ما هو مؤلم وممل برغم المحاولات البائسة لتجاوز "الغزوة" المريعة بالسلاح لأحياء العاصمة وبلدات الجبل والشمال. واذا كان من وصف معبّر لتلك المرحلة من تاريخ لبنان، فهو الوصف الذي استخدمه أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بعد انتخاب رئيس الجمهورية وقال فيه ان لا صحة لقيام "اتفاق الدوحة" على مقولة "لا غالب ولا مغلوب" لأن فيه غالباً واحداً هو لبنان. ولبنان الذي عناه الشيخ حمد، هو لبنان "اللادولة" و"اللاسلطة" و"اللابرلمان" و"اللارئيس جمهورية"، الذي كان يترنح على حافة حرب أهلية وطائفية ومذهبية لا يعرف أحد متى تنتهي وكيف.

أما ما رافق "اتفاق الدوحة"، فما يزال طرياً في الذاكرة اللبنانية، وتحديداً في الذاكرة الاقليمية والدولية، عندما أعلن في كل من دمشق وتل أبيب وأنقرة عن بلوغ المفاوضات غير المباشرة بين اسرائيل وسوريا مرحلة متقدمة، وعن "اتفاق تهدئة" بين حركة "حماس" واسرائيل في الأراضي المحتلة، وعن مشاركة أميركية مباشرة في المفاوضات بين ايران من جهة والاتحاد الأوروبي من جهة ثانية.

فهل في هذه "الملابسات"، أو في ما تلاها من "ملابسات" غير معروفة أو معلنة، ما يفسر ملامح اعادة البلاد الى مرحلة الاغتيالات والتفجيرات المتنقلة التي لا يبدو أنها ستنتهي؟!.

قد يصح القول ان بين اللبنانيين، وبين الرعاة الاقليميين، من يفضل سياسة "الخطوة خطوة" (رغم الشتائم الدائمة لصاحبها هنري كيسنجر) انطلاقاً من أن لا شيء يجوز تقديمه من دون تلقي ثمن مسبق. وعلى هذا الأساس، يكفي اللبنانيون ما تمتعوا به للآن من "اتفاق الدوحة":
رئيس جمهورية يستقبل ويودع، وحكومة تعارض نفسها من داخلها، وبرلمان ينشط في مجال التشريع كما في مجال التجريح، وفصل صيف مرّ بهدوء على مناطق السياحة والاصطياف، ولا حاجة به الى أكثر من ذلك الآن !!.

أبعد من ذلك، فهناك ما هو أكثر أهمية: اتضاح صورة الحكم المقبل في اسرائيل، بدء ولاية الرئيس الجديد في الولايات المتحدة، مستقبل الملف النووي الايراني، وقبل ذلك وبعده نتيجة الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان.

… فلماذا العجلة في عقد "المصالحات" وفي "الحوار الوطني" وحتى في كشف الأوراق في مسألة "الاستراتيجية الدفاعية"؟!.
… أم أن اللبنانيين قد نسوا، أو تناسوا، العبارة الدالة التي كان قدامى سائقي سيارات الأجرة يضعونها على الزجاج الخلفي لسياراتهم: "لا تسرع .. الموت أسرع" ؟!.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل