تنظيرات "حزب الله" حول "التنسيق" و"الثنائية"
تتناقض والقرارات الدولية وإتفاقَي الطائف والدوحة
1701 ملزمٌ وحاكمٌ لـ"الاستراتيجية" والحزب يُسقطه
اليوم، يفتتح رئيس الجمهورية ميشال سليمان الحوار الوطني الذي وردَ التأكيدُ عليه في "إتفاق الدوحة". وبصرف النطر عن "وتيرة" إنعقاد الجلسات بعد الافتتاح، وعن الآليات التي ستقرّر لـ"تنظيم" أعمال الحوار، فإنّ ما لا مفرّ من التشديد عليه، هو أنّ الاستراتيجيّة الدفاعية للدولة تشكّل الموضوع الرئيسيّ للحوار بل موضوعه الوحيد، بالرغم من محاولات إغراقه في بحر من العناوين الأخرى.
ولدى الحديث عن الاستراتيجية الدفاعيّة للدولة، لا لبسَ في ان هذه الاستراتيحية يجب أن تنطلق من الإلتزام بقرارات الشرعيّة الدولية الملزمة للبنان، والمستندة هي نفسها الى إتفاق الطائف، لا سيما القرار 1701 الذي تمّت الموافقة عليه بالإجماع في حينه.
الـ1701: المنطقة الخالية ولا سلاح لغير الدولة
وللتذكير و"إنعاش الذاكرة"، فإن القرار 1701 يتضمّن "فقرةً تنفيذية" تحمل الرقم 8 تنص على "تدابير امنية للحؤول دون معاودة الأعمال الحربية بما في ذلك إنشاء منطقة خالية من أي عناصر مسلحة وعتاد وأسلحة بين الخط الازرق ونهر الليطاني إلا من تلك التابعة للحكومة اللبنانية واليونيفيل (..)". وفي "الفقرة التنفيذية" التي تحمل الرقم 3، أي التي توردُ مبدأ عاماً، يرِد ان مجلس الأمن "يشدّد على أهمية بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على الاراضي اللبنانية كاملةً تماشياً مع احكام القرار 1559 للعام 2004 والقرار 1680 للعام 2006 وبنود إتفاق الطائف ذات الصلة، كي تمارس سيادتها كاملة فلا يعود هناك سلاح من دون موافقة الحكومة اللبنانية ولا سلطة غير سلطة الحكومة اللبنانية".
1559 و1680: الميليشيات وسلطة الحكومة
أما القرار 1559 الذي يشير اليه القرار 1701، أي الذي يدرجُه القرار 1701 في معرض تأكيده الترابط بين القرارات الدولية، فهو "يدعو الى حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها" كما انه "يؤيّد بسط سيطرة حكومة لبنان على جميع الاراضي اللبنانية".
على ان القرار 1680 الذي يركز على مسألتَي "التبادل الديبلوماسيّ الكامل" بينَ لبنان وسوريا و"تحديد الحدود المشتركة بينهما لا سيما في المناطق ذات الحدود الملتبسة أو المتنازع عليها"، فهو "يثني على الحكومة اللبنانية لاتخاذها إجراءات لمكافحة نقل الأسلحة الى داخل الاراضي اللبنانية، و"يرحّب بالقرار الصادر عن مؤتمر الحوار الوطني والذي يقضي بنزع سلاح الميليشيات الفلسطينية خارج مخيمات اللاجئين في غضون ستة اشهر، ويدعم تطبيقه ويدعو الى بذل مزيد من الجهود لحل كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها، ولبسط سلطة الحكومة اللبنانية على أراضيها كاملة".
"إتفاق الدوحة": سيادة الدولة
أما "إتفاق الدوحة" فينصّ على "إطلاق الحوار حول تعزيز سلطات الدولة اللبنانية على كل أراضيها وعلاقاتها بمختلف التنظيمات على الساحة اللبنانية بما يضمن أمن الدولة والمواطنين"، ويدعو الى توجّه نحو "حصر السلطة الأمنية والعسكرية على اللبنانيين والمقيمين في يد الدولة"، والى "تطبيق القانون وإحترام سيادة الدولة في كل المناطق اللبنانية".
الطائف: سلطة الدولة والهدنة
هذا في حين يقضي إتفاق الطائف تحت عنوان "بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية" بـ"الإعلان عن حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها الى الدولة اللبنانية (..)" وبـ"تعزيز قوى الأمن الداخلي وتعزيز القوات المسلحة (..)". وتحت عنوان "تحرير لبنان من الإحتلال الاسرائيلي"، يؤكد اتفاق الطائف ان "إستعادة سلطة الدولة حتى الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً"، تتطلب "العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن الدولي القاضية بإزالة الاحتلال الاسرائيلي إزالة شاملة"، كما تتطلب "التمسّك باتفاقية الهدنة الموقعة في 23 آذار 1949، واتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع اراضيها ونشر الجيش في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني لتأمين الإنسحاب الاسرائيلي ولإتاحة الفرصة لعودة الامن والاستقرار الى منطقة الحدود".
إنّ التذكير بالنصوص الآنفة، هوَ في سبيل القول إن ما يحكمُ المسار من إتفاق الطائف حتى القرار 1701 و"إتفاق الدوحة"، هو فكرة الدولة وسلطتها وسيادتها. و"المبدأ الحاكم" هو ان لا سلاحَ يجب ان يبقى الا سلاح الدولة. وليس في أي من هذه النصوص تمييز بين "المقاومة" و"الميليشيات المسلحة". أما التمييز الذي كان قائماً فهو "سياسي" وليسَ "قانونياً"، وتم في ظروف سياسية معينة من جهة وبمعيار "الجدوى" في مرحلة سياسية سابقة من جهة اخرى.
مخالفات "حزب الله" للـ 1701
وإختصاراً للبحث، وعشيّة إنطلاق الحوار الوطنيّ، يمكنُ "الإكتفاء" بآخر نصّ في سلسلة النصوص الحاكمة للحوار حول الاستراتيجية الدفاعية، أي القرار 1701 الذي وافق "حزب الله" عليه في إطار الحكومة أثناء حرب تموز 2006.
ثمة مخالفات عملية وسياسية من جانب "حزب الله" للقرار الدولي. يقول القرار بـ"أنشاء منطقة خالية بين الخط الأزرق ونهر الليطاني"، وقد رفض "حزب الله" منذ صدور الـ1701 وموافقته عليه، أن يتثبت الجيش اللبناني و"اليونيفيل" من خلو هذه المنطقة، ولم يبادر من تلقاء نفسه الى إخلائها. ويقول القرار بـ"بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على الأراضي اللبنانية كاملة كي تمارس سيادتها كاملة فلا يعود هناك سلاح من دون موافقة الحكومة اللبنانية ولا سلطة غير سلطتها"، في حين يقيم "حزب الله" منطقة محظورة على الدولة اللبنانية تصل شمال الليطاني بالبقاع، ويعزّز تسلّحه وينشئ مربعات أمنية مسلّحة تنازع الشرعية الدستورية اللبنانية.
التنظيرات المتنصّلة
أما في "التنظير" للاستراتيجية الدفاعية، فإن "حزب الله" يتحدث حيناً عن الفارق بين "إستراتيجية تحرير" و"إستراتيجية دفاع"، لكنه في جميع الأحيان يتحدث عن "مقاومة" لها إستراتيجيتها وعن "الدولة" الداعمة لـ"المقاومة" واستراتيجيتها. ومن هنا سائر "الاشتقاقات" من المفهوم نفسه: "التنسيق" بين الدولة و"المقاومة"، "الثنائية" بين الجيش و"المقاومة"، السلاح باق "حتى" لو استعيدت مزارع شبعا او استرجعت أو حرّرت.. وصولاً الى "الأستذة" المفتعلة عن إعادة تعريف العدو، لكأن تحديد إسرائيل كعدو يبرّر عدم قيام الدولة.
الحل الوحيد: السلاح الى الدولة
أمام الحوار الوطني الذي "يبدأ" اليوم مشكلة قول "حزب الله" الشيء وعكسه. يوافق على الـ1701 لفظياً وينسفه عملياً. يأخذ من الـ1701 ما يناسبه أو ما يمكنه الاحتماء به ويعطله في الوقت نفسه.
لذلك، على طاولة الحوار أن تبدأ بتثبيت القرار 1701، وليُسأل "حزب الله" بصراحة ما إذا كان ملتزماً به وبتنفيذه أو لا؟
والحوار فقط حول المراحل
والالتزام بتنفيذ القرار الدولي يعني أن لا مقاومة لحزب من خارج الدولة، وأن لا سلاح خاصاً "حول" الدولة.
الالتزام يعني فقط "إدخال" الحزب وسلاحه ضمن الدولة، أي إدخال عسكره وسلاحه ضمن الدولة. وإذ ذاك يبحث الحوار نقطة البداية ونقطة النهاية، أي مراحل الوصول الى إدراج السلاح في الدولة، في أي أطر ووفقاً لأية آليات.
يجب أن يرفض الحوار الوطني استدراجه الى حيث يحتفظ "حزب الله" بالسلاح رغماً عن الدولة، ويجب أن يرفض شتى "التنظيرات" التي من شأنها أن تضع لبنان في مواجهة مع المجتمع الدولي وقراراته، وأن "تعلّق" لبنان على حالة انتظارية أو أن تعرّض اللبنانيين، والجنوبيين منهم بشكل خاص، الى مزيد من الأخطار.