الحوار والمصالحات والحل
جيدة لا بل ممتازة المناخات التصالحية التي تتمدد في البلاد من طرابلس الى الجبل، وخصوصا على ابواب مؤتمر الحوار الوطني الذي ينطلق اليوم في قصر بعبدا برعاية الرئيس ميشال سليمان. هذه المناخات مهما كانت صعبة في البداية من شأنها ان تفتح مسارات حوارية بين نظرتين الى لبنان من الصعب التقريب بينهما في الوقت الراهن.
واذا كنا نرى ايجابيات كثيرة في المناخات التصالحية كتلك التي انطلقت بين الحزب التقدمي الاشتراكي و"حزب ولاية الفقيه" في لبنان مدفوعة بالزخم الذي ولده دم صالح فرحان العريضي، فان من الصعب جدا تجاهل الهوة الشاسعة التي تفرق بين الحزب المسلح في البلد وبقية مكونات البلد، ومن بينها ضمنا قوى متحالفة معه لضرورات مصالحية لا تخفى على احد. فالموقف الذي تسرب في الايام الماضية عن قيادة "حزب ولاية الفقيه" في ما يتعلق بالسلاح لا يبشر بالخير، وقد ادرج على قاعدة "السلاح لا يمس والدمج غير مقبول" لا بل على قاعدة اخرى جرى رميها اخيرا في ساحة التسويق وتتصل بالبحث في السياسة الثقافية لـ"الدولة القوية العادلة التي تقف مع شعبها، ووراء جيشها ومقاومتها…"!
ومن الصعب جدا تجاهل ما يحصل في البلاد منذ السابع من ايار عندما جرى وضع اليد على لبنان من الداخل، وتحول السلاح نحو الداخل في اطار دفع لبنان نحو وظيفة اقليمية رفضتها وترفضها غالبية موصوفة من اللبنانيين، وهي لا تحمل سلاحا موجها نحو الرؤوس بل موقفا وكلمة. كما يصعب ان يتصور المرء ان تزيل المصالحات، ولا سيما تلك التي تخص "حزب ولاية الفقيه" الشكوك حيال مرامي هذا الحزب المسلح. وقد جاءت عملية قتل النقيب سامر حنا في سجد لتزيد من الشكوك حيال ما يجري على مستوى رسم حدود "الدويلة"، وامتناعها على الشرعية. وهنا وعلى رغم المصالحات من هنا وهناك لا يمكن القفز على واقع تنامي الجزر الامنية حتى غدت المناطق الخاضعة للدولة والشرعية هي الجزر والعكس صحيح. فمن البقاع الشمالي، الى الجنوب جنوب الليطاني وشماله، وجنوب البقاع الغربي… فضلا عن الضاحية الجنوبية وبعض احياء بيروت المحتلة ترتسم معالم الدويلة في وقت يذهب القادة اللبنانيون الى الحوار اليوم ليبحثوا في جنس الملائكة! فأي حوار حول الاستراتيجية الدفاعية في حين تتواصل عملية بناء الدويلة بلا هوادة بالتزامن مع السعي للسيطرة على الشرعية والتحكم فيها. تلك هي المعضلة الكبرى في لبنان. ووحدهما ملفا السلاح والدويلة يضعان وطننا على محك الصراعات الاقليمية بفعل الوظيفة الاقليمية التي تفجرت في حرب تموز 2006. واليوم نقف بازاء خطر جديد هو احتمال الحرب على ايران وآثاره على لبنان اذا ما تورط "حزب ولاية الفقيه" في حرب ليست حرب لبنان، ولن تكون اقله في العقول والنفوس!
خلاصة القول ان كل لبناني يتمنى ان تتم المصالحات في كل مكان وان يثمر الحوار في بعبدا، ولكن هيهات ما بين المصالحات الظرفية والحل الحقيقي الذي لن يقوم قبل تطبيع مشروع "حزب ولاية الفقيه" بانهاء وظيفته الاقليمية المسلحة وضبط طموحاته المستقوية بالسلاح في الداخل!