#adsense

أيها الكرام… تواضعوا

حجم الخط

أيها الكرام… تواضعوا !

إيجابيتان إنشائية وشكلية تتحقّقان اليوم مع افتتاح مؤتمر الحوار الوطني، الذي يجري تحميلها ما لا يحتمل منذ اختير له عنوان أُلصق به خبط عشواء، عندما قيل انه حوار سيقرر "الاستراتيجية الدفاعية" للبنان.
أما الايجابية الانشائية فإنها تتمثل بطبيعة الحال في الكلمة الافتتاحية التي سيلقيها الرئيس ميشال سليمان، وهي لن تخرج في عناصرها ومضامينها على ما سمعناه منه في خطاب القسم ثم في الكلام الذي قاله في استقبال الاسرى المحررين.

ولكن التذكير بأهمية الحوار بين ابناء البلد الواحد، وبضرورة توافر الارادة الوطنية الجامعة، وكذلك بأهمية قبول الرأي والرأي الآخر، والانخراط في النقاش المسؤول، والهادئ، الصادق، والموضوعي وكل هذا ستفيض به كلمة رئيس الجمهورية حتماً، كفيل بالقاء مياه باردة على المواقف الحامية التي ستتقابل حول الطاولة الحوارية، ولكنه ليس كفيلاً بالضرورة ايصال الحوار الى خواتيمه المرتجاة وخصوصاً عندما نرفع سقفه حتى السماء مفترضين ان الحوار وحده يصنع استراتيجة دفاعية، بينما الذي يصنع مثل هذه الاستراتيجية هو نمط وسلوك وثقافة وتراكم وتربية واجيال متعاقبة.

❑ ❑ ❑

اما الايجابية الشكلية فلها بالطبع اهميتها وآثارها وانعكاساتها. على الاقل من خلال الصورة الجامعة التي ستضع المتحاورين الـ14 وجهاً لوجه تقريباً للمرة الاولى منذ آذار من عام 2006 عندما التقى اولئك "الفرسان" الى الطاولة المستديرة التي اعدها يومها الرئيس نبيه بري.

وعندما تلتقي العيون "عينك في عينك" كما يقال. فلا بد من ان يتحول الابتسام الصفراوي المهذب بداية ضحك ومؤانسة. وان كان المضمر لن يخلو من كزكزة الاسنان. وفي اي حال وامام الكاميرات والعدسات سيحرص مخمل المظاهر على ان يغطي قبضات الحديد وكلام الحديد ايضاً وايضاً.

❑ ❑ ❑

واذا كان من شأن الايجابية الشكلية على ما فيها من "اضطرارية تهذيبية" ان تذيب قسماً من الجليد الكثير المتراكم في خلال عامين من المآسي، فإن من غير الحكمة ان نتصور لوهلة ان "القطب اللبناني المتجمد" يمكن ان يذوب غداً في بعبدا. فتنهمر سيول المودة والاخوّة وتفيض جداول الاخوّة الطافحة تغمر المساحة الممتدة من الضاحية القريبة الى فقش الموج في الروشة ومن ثم الى انحاء هذا الوطن السعيد.

وقياساً بكل ما سمعناه من هنا او من هناك حول موضوع الحوار، فإننا ومن دون اي ميل الى التشاؤم، نقول ان "الطاولة المستديرة" التي استضافت الحوار اول مرة، كان يمكن ان تتحول دائرة مفرغة لو لم يحصل العدوان الاسرائيلي ويوقف الحوار لا بل يحوله الى تقاصف بالتخوين والشتائم احياناً.

اما "الطاولة المستطيلة" التي ستجمع المتحاورين اليوم، فإنها قد تتحول سيرة طويلة، ربما اطول من المسلسلات المكسيكية، لان العناصر الجوهرية التي يفترض ان تكون مدار بحث في مسألة "الاستراتيجية الدفاعية"، تشمل كما قلنا طبيعة الحياة عينها التي سيختارها اللبنانيون ومفهومهم للمسالك والتصرفات. وفي بلد تعددي مثل لبنان عاش على صليب الحروب والصراعات منذ ثلاثة عقود ونيّف، سيكون صعباً لا بل مستحيلاً، الافتراض اننا سنتفق على كهذه العناصر التي تصنع "استراتيجيا دفاعية" فالامر يبدأ من كتاب درج عرج وينتهي بـ"مرجعية قرار السلم والحرب" كما يقال، مروراً بعلاقاتنا الخارجية وسياساتنا الداخلية الانتاجية والاجتماعية، وبالأغاني التي نسمعها والافلام التي نشاهدها والدورة الاقتصادية التي نختارها للبلاد.

❑ ❑ ❑

كل الكلام الذي سمعناه حتى الان لا علاقة له بعنوان كبير اي "الاستراتيجيا الدفاعية":

❑ هل اسرائيل عدو نهائي؟
– نعم انها عدو نهائي وليس هناك من ينكر هذا.

❑ هل التوطين مرفوض؟
– نعم مرفوض قطعاً في الدستور والاقتناعات كلها.

❑ هل لاسرائيل اطماع في لبنان يجب مواجهتها؟
– نعم للعدو الاسرائيلي اطماع ويجب مواجهتها.

ولكن هل يتصور البعض ان حوارا من هذا النوع يمكن ان ينتهي بوضع "استراتيجيا دفاعية" للبنان؟
واهم جدا من يتصور ان في وسع الحوار ان يتجاوز عملياً حدود التنسيق الضروري بين الدولة وحزب الله. وانطلاقاً من الواقع الراهن لن يكون في وسع الدولة ان تقول لاهل المقاومة تنحوا جانبا. وقدسبق للسيد حسن نصرالله ان اعلن تكراراً انه عندما يكون هناك دولة قوية وقادرة تستطيع مواجهة اخطار اسرائيل يمكن المقاومة ان ترتاح.

ولكن قياساً بما افرزه الواقع الراهن وبعد انتقال النار من الحدود الى الداخل لن يكون في وسع "حزب الله" ان يستمر في العمل بذهنية ان الدولة يجب ان تبقى جانبا او في سبات اهل الكهف.

❑ ❑ ❑

لهذا فأن المطلوب هو ترسيم حدود متعاونة متكافلة متضامنة بين الدولة والمقاومة ولكن على قاعدة لم يعد هناك مفر منها اي ان تكون الدولة دولة وفي عمق اقتناع "حزب الله" بهذا الامر، دولة لها المرجعية المركزية في قرارات السلم والحرب ولها الدور الأول الذي يتقدم لمواجهة اخطار العدو الاسرائيلي على الحدود، وان يتم ا لاتفاق على آليات الاستفادة من القدرات القتالية للمقاومة التي يمكن ان تكون ذراعاً حارساً للحدود بتنسيق عملاني مع قوى الدولة وربما من خلال غرف عمليات تديرها الدولة وقواها.

❑ ❑ ❑

ولكن هل هذا التنسيق العملاني الواسع يصنع "استراتيجيا دفاعية"؟
قطعاً لأن هذا الاستراتيجيا تعني بالضرورة اعادة بناء الدولة من الصفر، وهو امر يحتاج الى وقت طويل يمتد جيلا بعد جيل. واهم من هذا يحتاج الى عزل مؤثرات التعدد وانعكاساته عن ثقافة المجتمع اللبناني وهو أمر مستحيل.

اذاً لنتواضع قليلاً وبدلا من الحديث عن "استراتيجيا دفاعية" الآن دعونا نحقق زواج المصلحة الوطنية بين الدولة والمقاومة، بما يفتح الطريق امام قيام الدولة القوية والقادرة فتذوب المقاومة في الدولة المقاومة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل