ملامح التهدئة لا تسري على لبنان وحده وإن كانت لا تشكل ضماناً
الوضع الاقليمي حافز للحوار أم مسبّب للهدنة ؟
استخدم سياسيون محليون وحتى مسؤولون عرب كالامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى المخاوف التي يثيرها الوضع الاقليمي، سببا مباشرا للحض على الانتفاع او الدفع في اتجاه الحوار الذي دعا رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الى عقد أولى جلساته في قصر بعبدا اليوم. واذا كان الوضع الاقليمي المقلق أحد الاسباب التي تدفع الافرقاء اللبنانيين الى الحوار في هذا التوقيت تحديدا، فان بدء مصالحات تواترت عدواها وبدأت تنتقل بين المناطق، هو أمر ايجابي الى حد بعيد بحسب مراقبين سياسيين وديبلوماسيين في بيروت. ذلك ان ذهاب اللبنانيين في المبدأ عكس الوضع الاقليمي المضطرب الذي لطالما ارتبط به الوضع في لبنان، باعتبار ان التوتر والتهدئة في الداخل كانا دوما المعيار لما يحصل في المنطقة، يعني او يفترض ان اللبنانيين مدركون مصلحتهم ولا يرغبون في ابقاء لبنان ساحة وعرضة للتجاذبات الاقليمية او سواها. فالمعادلة كانت دوما تتعقد في المنطقة وتترجم هذه التعقيدات في لبنان. فكيف يمكن تفسير الاتجاه الى المصالحات والتهدئة النسبية بينما يسود المنطقة وضع حساس ودقيق؟
واقع الامور وفق ما يرى المراقبون ان كلام بعض السياسيين على الوضع المقلق في المنطقة هو كلام حق انما التوجه نحو الحورا لا يتصل بحماية لبنان بقدر ما يقصد به التهدئة حتى اتضاح الامور في المنطقة، بل ان ثمة اعتبارات تفرض القول ان هناك هدنة او تهدئة قسرية في المنطقة تنعكس على لبنان ايضا لأسباب متعددة ليس أقلها عدم الرغبة في انفجار الوضع الامني في لبنان في أي شكل، لا جنوبا مع اسرائيل ولا شمالا بين القوى السياسية اللبنانية بما ينعكس سلبا على المنطقة. وهذا الامر يسري على الدول المعنية والمؤثرة في لبنان من سوريا الى ايران فالولايات المتحدة الاميركية وسواها. فهناك في الدرجة الاولى المفاوضات السورية – الاسرائيلية غير المباشرة التي تعقد جولة اضافية منها الاسبوع المقبل، علما ان الرئيس السوري بشار الاسد سبق ان اعلن خلال القمة الرباعية التي انعقدت اخيراً في دمشق في حضور الطرفين التركي والقطري الى جانب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ان الجولة المقبلة من المفاوضات بين سوريا واسرائيل ستكون حاسمة من حيث احتمال تحولها مفاوضات مباشرة بين الجانبين. وهذا الامر في غاية الاهمية لعدم رغبة سوريا في بروز ما يمكن ان يعرقل هذه الاتجاهات في انتظار ما ستؤدي اليه الجولة المقبلة من المفاوضات، علماً انه تتوقف على هذه المفاوضات وتطورها امور كثيرة بعضها يتعلق بايران وبعضها الآخر بالولايات المتحدة وبالدول العربية الاخرى وحتى بالافرقاء الداخليين في لبنان وفي مقدمهم "حزب الله"، احد المعنين مباشرة بنتائج هذه المفاوضات وانعكاساتها. ويمكن المتابعين ان يلاحظوا بسهولة في هذا الاطار ايضاً ان مساعي التهدئة لا تسري على لبنان فحسب، بل حتى على حركة "حماس" وسط غياب اي تطورات دراماتيكية في غزة مثلاً على غرار المرحلة السابقة، عندما كان لبنان والاراضي الفلسطينية على ايقاع واحد ووتيرة متناغمة تقريباً من الاضطراب السياسي والامني. فما يحصل حالياً في المنطقة على هذا الصعيد لا يمكن تخريبه واي من الافرقاء المعنيين لا تناسبه "الخربطة"، والحماسة أو التشجيع على الحوار انما هو في اطار تهدئة الامور نسبياً وملء الفراغ الداخلي في انتظار اتضاح اتجاه الامور وتطورها.
الا ان الامر لا يتعلق بالمفاوضات السورية – الاسرائيلية وحدها كما يرى مراقبون ديبلوماسيون كثر، بل بما يجري ايضاً على مستويات اخرى على صعيد الملف النووي الايراني بين ايران والدول الغربية، وان حجبت ازمة جورجيا بين الدول الغربية وروسيا هذا الملف جزئيباً وابعدته عن الواجهة. فهذا الملف يشهد تطورات لا يمكن تجاهلها ليس اقلها من خلال بعض المؤشرات اللافتة كهدوء نبرة التهديدات ووتيرة الحملات الاعلامية والسياسية، فضلاً عن تراجع الكلام على خيارات القيام بضربة عسكرية ضد ايران الى حد لافت وحتى درجة غيابه شبه الكلي. كذلك فإن ما يجري على صعيد العراق الذي شهد تهدئة ملحوظة في الاسابيع الاخيرة يتكامل مع ما يجري على صعيد الملفات الاخرى، في حين تستمر العلاقات العربية – العربية متوترة الى حد بعيد ولكن دون الكثير من المظاهر العلنية المواكبة.
هذه التطورات كلها تجعل الوضع في المنطقة فائق الحساسية ولا يتحمل اي تعكير في المرحلة الحالية خصوصاً ان بعض السياسيين من زوار دمشق اخيراً اصروا على اظهار الايجابية السورية حيال اجراء المصالحات، ولولا هذه الايجابية لما كانت المصالحات حصلت كما قالوا. وهذا الوضع مرشح للاستمرار ليس استعداداً للانتخابات المقبلة، وان ظهرت الانتخابات هدفاً يتم الاستعداد له على الصعيد المحلي، انما في انتظار بروز مؤشرات النجاح او الفشل لهذه الملفات في المنطقة. ففي الحال الاولى يمكن ان يتطور الحوار في جلسات لاحقة ايجاباً، خصوصاً انه حوار لمدى طويل، وفي حال الفشل يبنى على الشيء مقتضاه ويظهر عند ذلك بوضوح ان الحوار الذي يبدأ لن يكون في الواقع لحماية لبنان مما سيحصل في المنطقة كما يقول البعض بقدر ما هو في انتظار جلاء ما سيحصل في المنطقة.