المياومون
لن يتردد اللبنانيون، اليوم، في التفاؤل، عندما يرون على شاشات التلفزة المتحاورين الأربعة عشر يدخلون قاعة الاستقلال في القصر الجمهوري. ولكن لا منة لهؤلاء على المتفائلين لأن التفاؤل صناعة اللبنانيين، وليس وليد اقتناع بأن المن والسلوى سيهبطان على بلد الأرز فور بدء النقاش، ولا حتى عند انتهائه.
فاللبنانيون مفطورون على الاستبشار بأي وعد أو موعد، ويتفننون في اتخاذ الاستحقاقات، حتى التي لا تعنيهم، فاصلا زمنيا بين حال وحال. وتاريخهم مع هذه العادة، خلال الحرب الأهلية – الاقليمية – الدولية في لبنان وعليه، زاخر بأوهام من هذا النمط، ليس أقلها اقتراب أعياد، أو إجراء انتخابات أميركية، وحتى انعقاد إتفاقات داخلية، من الوثيقة الدستورية الى الاتفاق الثلاثي، على رغم ظروف اقليمية ودولية، يوميهما، لم تكن تشي بسهولة سلوك الدرب الى تحقيق مندرجاتهما.
اليوم لا يختلف عن الأمس القريب سوى في أن التفاؤل الراهن لا يستمد نسغه من إرادة اللبنانيين، ومن المصالحات المفاجئة والجوالة فحسب، بل ومن حال تبريد إقليمية – دولية تفرضها استحقاقات ترى القوى الكبرى، والأخرى الطامحة الى مشاركتها في أدوارها، أن لها مصلحة آنية في فرضها. وعلى المستوى المحلي، تقدم هذه الحال فرصة لقوى 14 آذار لتجديد محاولتها سلوك الحوار لاقناع خصمها السياسي بالدولة طريقا وحيدة لاحتضان المجتمع اللبناني وصهر طموحاته الوطنية، بينما يعتقد "حزب الله" أنها فرصة لتبريد الأجواء الداخلية التي سخنها باستخدام سلاحه ضد اللبنانيين، ولتحصين نفسه بسياج وئام داخلي يحمي ظهره إذا ما ترجمت اسرائيل تهديداتها المتجددة ضده.
فالطرفان يدخلان الى طاولة الحوار الجديدة بمواقف قديمة. وما انتهت اليه طاولة ساحة النجمة ستنطلق منه طاولة بعبدا، وهو الاستراتيجية الدفاعية، مضافة اليها "توابل "جديدة، "زرعت" سلفا لزيادة "لسعة" الاختلاف حين تدعو الحاجة الى تفجيره بيد من يمسك الفتيل ولا ينفك "يزيته" منذ ارفضت "الطاولة الأم" السابقة في 29 حزيران 2006، قبل أسبوع من "حرب تموز".
والمثل اللبناني الشعبي يقول "أن من يريد أن يصاهر، لا يقاهر". وبالقياس فإن من يسعى الى الحوار طريقا للتفاهم لا يرمي "متفجرات" الشروط على درب السالكين إليها، وفي الطليعة منها وضع الذات في موقع الضحية المجبرة على الدفاع عن نفسها كالقول أن الآخر يريد "نزع" سلاح "حزب الله" موازيا بذلك بين انخراط الحزب وسلاحه في الدولة، كما تطالب قوى 14 آذار، وبين الدعوة الى الاستسلام أمام العدو الاسرائيلي التي يزعمها مطلبا لخصمه السياسي.
لائحة المتفجرات الموقوتة على درب الحوار المتجدد تطول، بدءا من استباقه برفض "إدماج أو إدراج سلاح المقاومة في الجيش" وبالاصرار على أن يكون "التكامل بين المقاومة والجيش" أي أن الاولى هي الاساس والثاني يجب أن يتقولب وفق رؤيتها، وصولا الى التمسك بتوسيع مواضيع النقاش وزيادة عدد المشاركين. فمد النقاش الى الاستراتيجية الاقتصادية والاجتماعية، والى غيرها، كما كان دعا الامين العام هو إلغاء لدور مجلس النواب المنتخب من الشعب في أن يعكس الطموحات الوطنية في قوانين ومشاريع عبر الحكومة التي يمنحها ثقته، فيما توسيع المشاركة سيكون سببا لمماطلة إضافية في حسم الحوار، يبررها البحث عن الاسس التي ستعتمد في تسمية المشاركين الجدد. والواضح أن الغاية إدخال حلفاء 8 آذار الذين أبعدتهم الانتخابات الأخيرة عن مجلس النواب، في التداول السياسي على أبواب الانتخابات الجديدة، على رغم أن للجنرال ميشال عون موقفا ممن لم يفوزوا في الدورة السابقة يحرم عليهم أي دور عام، وتحديدا الذين هم في عداد خصومه السياسيين.
إذا، يدخل "حزب الله" الحوار بشروط واضحة على رغم غموض الترويج لها: سلاحه غير قابل للنقاش. على الجيش أن يتكامل مع المقاومة ("إمتحان" سجد حيث استشهد الضابط الطيار بسبب عدم معرفة الحزب سلفا بتحليق مروحيته أي عدم الاستئذان). لحلفائه الحق بالمشاركة في طاولة الحوار كي تكثر الأصوات وينعدم البت. النقاش يجب أن يتوسع لتغوص الاستراتيجية الدفاعية في بحر من الاستراتيجيات.
لكن قوى 14 آذار لا تملك إلا أن تصر على الحوار لأنه سلاحها الوحيد في معركة الاستقلال الثاني للوصول الى تحقيق الإجماع الوطني على ضرورة قيام الدولة السيدة الحرة المستقلة بفصل لبنان عن التعقيدات الاقليمية والدولية فلا يكون ضحية مناكفة ايرانية – أميركية، أو تسوية سورية – اسرائيلية.
والواضح، من قبل ان ينطلق هذا الحوار، أنه سيجري على خطين لا يلتقيان: خط الدولة الحاضنة وخط الدولة في داخل الدولة إن لم يكن فوقها. وهذا ما يعرفه اللبنانيون، إن لم يكن بإجماعهم فبغالبيتهم. ومع ذلك يداخلهم الإطمئنان. فاللبنانيون يهتمون بالحوار أكثر من نتائجه الميؤوس منها بسبب المعطيات المحيطة بهم، ذلك أنها تمدد التهدئة التي أتى بها اتفاق الدوحة، بينما النتائج، في أحسن الأحوال، لن تكون سوى اتفاقات تفصيلية لا تنهي المشكلة الأساس، بل تمدد للخلاف عليها.
اللبنانية ليست جنسية. إنها مهنة. يقول ذلك المفكر منح الصلح. من هذه المهنة اصطناع التفاؤل، وحتى اختراعه. وفي لبنان، تحديدا في القطاع العام رتبة وظيفية هي الاجير المياوم. وفي الاجتماع اللبناني نكتشف أننا جميعا مياومون في الحياة، نصطنع التفاؤل يوما بعد يوم لنجد سببا للحياة.