أجواء الحذر الإقليمية تسرّع إيقاع المصالحات المحلية
ورصد للكلام على الجيش والمقاومة وزيارات سليمان
لا شك ان اجواء المصالحات التي بدات ترخي بثقلها على لبنان منذ بداية الشهر الحالي تسير بسرعة قياسية تطرح علامة استفهام حول تعاظم خوف المسؤولين اللبنانيين من الرياح التي تهب على المنطقة، فتدفعهم الى محاولة تدارك الاعظم. وعلى رغم ان المصالحات ترسم بعض علامات التفاؤل بانقاذ الوضع اللبناني من شباك اي تطور دراماتيكي في المنطقة، تطل محاذير بقوة من خلال هذه المصالحات، تجعل اللبنانيين يتساءلون عن حقيقة الاجواء التي بدأت في الشمال ومرت بتعلبايا وخلدة لتحط رحالها اليوم في بعبدا، في وقت كان فريقا المعارضة والاكثرية يتحدثان قبل اسبوعين فحسب، عن مسار سوداوي للوضع.
وتراقب اوساط سياسية عالية المستوى اندفاعة القادة اللبنانيين الى الحوار الداخلي في ضوء التطورات الاقليمية والدولية. فلبنان الذي يتطلع الى اسرائيل منتظرا انتخابات حزب " كاديما" هو نفسه الذي ينظر الى طرطوس السورية حيث يعود النفوذ الروسي، رسميا بعدما حفلت باخبار عنه التقارير الغربية منذ حرب تموز الماضية. ووفق هذه الاوساط، تظهر مراقبة دقيقة للمناقشات التي تجري في مراكز الدراسات البريطانية والاميركية والفرنسية والالمانية، الى اي مدى يتحكم التجاذب في الوضع الاقليمي وآفاقه، خصوصا بعد تطورات حرب جورجيا، والدخول الروسي على خط الشرق الاوسط، في صورة العودة العسكرية المرتبطة بتأمين مصالح روسيا في البحر المتوسط، اضافة الى محاولة المعنيين من دول المنطقة تأمين خطوط الدفاع عن الامدادات النفطية من جورجيا الى تركيا.
وتشير خلاصة هذه المناقشات الى عدم وضوح الرؤية بعد في ما يخص الاتجاهات الاسرائيلية من الحرب على ايران ولبنان، ولا سيما بعد الدخول الروسي على خط المتوسط، ومحاولة تل ابيب مد جسور ثقة مع موسكو. ولكن وفق هذه الخلاصة لم يغب كلياً شبح الحرب في المنطقة، عن خيارات اسرائيل، وان تكن مروحة خياراتها لا تزال واسعة من ايران الى سوريا ولبنان.
ووفق هذه الاوساط اذا كانت سوريا عبر تركيا، راعية المفاوضات غير المباشرة، تحاول ابعاد الخطر عن اراضيها فان ذلك لا يعني انها تخلت عن الاستعدادات العسكرية التي ترصدها اكثر من جهة غربية على جانبي الحدود الاسرائيلية والسورية. في المقابل، لا يزال "حزب الله" المعني عسكريا في اقصى جهوزيته، وقد حفلت اخيرا تقارير غربية واسرائيلية عن ارتفاع منسوب تجهيزه وهو امر لم يخفه الحزب اصلا.
وينعكس القلق الامني من تطورات ما تلوح في الافق، على اداء معظم القيادات المحلية، في مسارعتها الى ضبضبة الخلافات الداخلية، سعيا الى تأمين الحد الادنى من الحماية قبل الانصراف جديا الى معالجة جذور المشكلة التي كانت في اساس الانقسام الذي ادى الى اتفاق الدوحة ومفاعيله. ففي حين ينحو فريق من المعارضة، الى تصوير المصالحات على انها استعداد جدي للمقايضة في الانتخابات النيابية، يؤكد اكثر من مصدر في قوى 14 آذار، ان المصالحات الحالية، مرتبطة فحسب بالوضع الاقليمي وحماية البلد من تداعيات اي تطور سلبي، وهي مفصولة تماما عن الانتخابات النيابية التي يجب التحضير لها، كلعبة ديموقراطية ستؤسس بعد اشهر قليلة لمستقبل البلاد، في حين ان الرياح الاقليمية التي يمكن ان تكون عاتية على لبنان وتعيد الامور فيه الى النقطة الصفر، هي التي تجعل من قيادات الاكثرية حريصة على تخفيف الضغط على الساحة اللبنانية باقل الاضرار الممكنة.
من هذا المنطلق يضع فريقا المعارضة والاكثرية الاساسيان، سقفا مقبولا يحكم ايقاع حركتهما، من دون الذهاب بعيدا في التوقعات، تماما كما يذهب قادة الحوار اليوم الى بعبدا لمناقشة بند الاستراتجية الدفاعية، الذي يعرفون جميعهم انه لن يكون موضع مناقشة ولا حل قبل تبلور الوضع في المنطقة، وما دام رئيس الجمهورية على موعد مع سلسلة من اللقاءات خارج لبنان، لن تسمح له بترؤس طاولة الحوار مجدداً قبل اسابيع عدة.
وعند هذه اللقاءات تتوقف الاوساط السياسية الرفيعة، لأن هذه اللقاءات تبتعد، خصوصا عند مفترق مفصلي كالذي يعيشه لبنان حاليا، عن المحور العربي المتمثل بالسعودية ومصر والاردن الذي حمى لبنان ايام حرب تموز الماضية، وتدخل لدى دول القرار والولايات المتحدة في مقدمها. مع العلم ان مصر كانت اول من دعا سليمان الى زيارتها حين كان قائدا للجيش، وان السعودية كانت اكثر من دفع في اتجاه تأمين انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وان جامعة الدول العربية طالبت بدفع من هذا المحور بانتخاب رئيس مسيحي للبنان في فترة عصيبة من تاريخه. في حين ان سليمان وضع في الأولوية زيارته سوريا وقطر وايران، على خلاف ما درج عليه الرؤساء اللبنانيون قبل فترة الوجود السوري وتداعياته.
وعلى الخط نفسه ترصد هذه الاوساط الدفع المتزايد للتلازم بين الجيش والمقاومة، وتصريحات قائد الجيش الجديد جان قهوجي، في اكثر من مناسبة وتصريح، بعد ايام معدودة على توليه القيادة. وهو امر، تخشى الاوساط السياسية تأثيره على الجيش، ولا سيما بعد سلسلة تقارير غربية واسرائيلية، اثارت علامة إستفهام حول دور الجيش المستقبلي الذي تشدد الولايات المتحدة على تعزيز وضعه وحمايته ورفده بالسلاح، في حين يرتفع منسوب كلام قادته على المقاومة، وتتحدث سوريا عنه باضطراد.