الامن والحوار والحروب المفترضة
… خطوة الى الأمام، هذا ما يمكن توصيف ما جرى في الجلسة الاولى للحوار في قصر بعبدا، فقد حققت الساعات القليلة التي أمضاها المتحاورون الهدف منها، خصوصاً ان رئيس الجمهورية وضع محددات للواقع المستقبلي، حافظاً للدولة ولمؤسساتها دورها الأساسي، والأهم من ذلك أن النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية قد انطلق ضمن اطر محددة، تتمحور حول ان السلطة هي للدولة ولمؤسساتها فقط، ومسؤولية الدفاع عن الوطن هي للقوات المسلحة الشرعية.
… يستطيع الآن رئيس الجمهورية الذهاب في رحلته الى الولايات المتحدة الاميركية متسلحاً بالحوار الذي بدأ، وبالاستراتيجية الدفاعية التي سيتفق عليها المتحاورون، على اعتبار ان الدولة هي صاحبة القرار فيها، وسيكون لديه كل الأجوبة على الأسئلة التي ستطرح عليه في الامم المتحدة، أو من قبل الرئيس الاميركي جورج بوش عندما يلتقيه في البيت الابيض.
… ولكن ترحيل الجلسة الثانية للحوار الى الخامس من تشرين الثاني المقبل مدة زمنية طويلة كنا نتمنى ألا تكون بهذا البعد، لأن الظروف الأمنية في البلاد مربكة للغاية، وآخرها أحداث تعلبايا، وقبلها القنابل في المزرعة، إضافة الى اغتيال الشهيد صالح العريضي في بيصور.
صحيح أن رحلة رئيس الجمهورية الى اميركا وبعدها الى المملكة العربية السعودية، وربما الى مصر، هي التي فرضت هذا التأخير، ولكن الصحيح أيضاً ان اللااستقرار الامني في البلاد يفرض تكثيف جلسات الحوار للوصول الى اتفاق على الاستراتيجية الدفاعية، ولوضع حد لفوضى السلاح.
… على كل حال، فإن جولة رئيس الجمهورية الاميركية والعربية ضرورية ومطلوبة في هذه المرحلة، خصوصاً ان لبنان من أكبر المتلقين للتأثيرات الإقليمية والدولية، وهذا ما يفترض بصورة أو بأخرى ابتداع صيغة متطورة للحد من هذه التأثيرات بالتفاهم مع دول القرارين الإقليمي والدولي، وأساساً، فإن الحوار الداخلي بحد ذاته يرمي بصورة أساسية الى امتلاك اللبنانيين المبادرة بعيداً من كل التأثيرات إقليمياً ودولياً، وهذا ليس صعباً في حال اقتنع القادة السياسيون في هذا البلد بضرورة الاتفاق بعيداً من كل الملفات الإقليمية والدولية.
… نحن أمام معادلة تحقق هذا الهدف، وهي ذات شقين، الاول، المصالحات التي بدأت، والثاني، الحوار الايجابي الذي بدأ أيضاً، ومع ذلك فإن الإغراق في التفاؤل ليس صحيحاً على الاطلاق، إذ ان لبنان في قلب العاصفة الإقليمية والدولية، والتطورات لا تبشر بالخير كثيراً، فاليوم انتخابات "كاديما" الاسرائيلي، وقد تفوز برئاسة الحزب تسيبي ليفني التي ستكون الأوفر حظاً برئاسة الحكومة الاسرائيلية، وإذا وافق حزب العمل برئاسة وزير الدفاع ايهود باراك على تشكيل حكومة ائتلافية، فهذا يعني توجه اسرائيل نحو الحرب ضد لبنان، وخلال شهرين الانتخابات الرئاسية الاميركية، والتي يتنافس فيها الحزبان الديموقراطي والجمهوري، وإذا فاز الأخير، وهو جون ماكين ونائبته المتطرفة، فإن احمال الحرب الاميركية ضد ايران وربما ضد سورية سيصبح قوياً للغاية، علماً ان نسبة الفوز بين اوباما المرشح الديموقراطي وماكين المرشح الجمهوري ماكين متقاربة جداً.
.. السؤال هنا، هل يستطيع لبنان تحصين وضعه وإنهاء الخلافات بين أطرافه السياسة ليتجنب أهوال هذه الحروب المفترضة؟!