بعد طرابلس والجبل… الأنظار تتّجه إلى بيروت
"أجواء مُستهجنة" في البقاع تستأهل تحقيقاً واسع النطاق
لم يكن أمام الرئيس ميشال سليمان خيار آخر، فكان من الطبيعي ان يدعو الى معاودة جلسات الحوار الوطني، بمعزل عن التوقيت وعما قيل ويقال عن الظروف المؤاتية او غير المؤاتية اقليميا ودوليا. وفي بعضه الكثير من الواقعية. فالادارة الاميركية ستتغير قريبا. والمفاوضات السورية – الاسرائيلية غير المباشرة برعاية تركية لم تتضح نتائجها بعد. وكذلك العلاقات الاميركية – الايرانية، وعليها يمكن ان يبنى الكثير مما هو ذو صلة بالاوضاع في لبنان انطلاقا من جنوبه. ولكل هذه التطورات على المستويين الاقليمي والدولي "اصداء" مباشرة في لبنان يعبر عنها الاطراف المحليون الممثلون في جلسات الحوار. ولكن كل ذلك لا يعني عدم الاقدام على الحوار او تجميده في انتظار جلاء الموقف على الصعيدين الاقليمي والدولي او هبوط الوحي. فكان لا بد من معاودة جلسات الحوار وإن "افتتاحا" في ما يشبه "ربط النزاع" حتى موعد الجلسة المقبلة وقد حدد في 5 تشرين الثاني المقبل.
ولو لم يبادر رئيس الجمهورية الى الدعوة الى الحوار وقد فاجأ بها الجميع في الكلمة التي القاها خلال الافطار الرمضاني التقليدي في القصر الجمهوري، لتصاعدت الاصوات التي لطالما حضته على ذلك، علماً ان رئيس الجمهورية لا يتحمل منفردا مسؤولية التأخير، فمنذ انتخابه في 20 ايار الماضي ضاعت اسابيع بل اشهر بين الجدل حول تشكيل الحكومة والبيان الوزاري وجلسات الثقة، وبين تطورات امنية ومشاريع فتن لم يهدأ اصحابها بعد. وكانت آخر محاولة لهم ليل امس في البقاع وعشية معاودة جلسات الحوار… يا للمصادفة!
ولعل الكلام الكبير الذي قيل بعد تشييع الشاب عبدالله العديوي (من "تيار المستقبل") في تعلبايا امس، وبعضه جاء على لسان مختار في البلدة، يستحق الأخذ في الاعتبار ومن المكابرة والخطأ تجاهله. فلقد وُجهت من خلاله اتهامات مباشرة لامست ضباطا في الجيش ومطالبة بتغيير القيادة في المنطقة، وكان كلام على "غض طرف" و"انحياز" واكثر وما شابه مما يستأهل فتح تحقيق واسع النطاق حرصاً على ارواح الناس وأمنهم، وبالتأكيد على صورة الجيش بما هو صمام امان ومطلب للجميع. ومن غير الطبيعي ان يمر هذا الكلام الكبير بل الخطير من دون التوقف عنده ولاسيما انه صدر عن اناس لطالما طالبوا بالجيش وباطلاق يده في حفظ الامن وضرب مصادر النيران من اي جهة اتت. ومن غير الطبيعي ان يأتي يوم يصبح فيه مطلب هؤلاء "انسحاب الجيش اذا لم يقم بواجباته في حماية الجميع وضبط الوضع الامني"!
ومن حق المواطن في تعلبايا وسعدنايل في البقاع وفي اي منطقة اخرى من لبنان، ان يسأل عن نتائج التحقيقات في حوادث مشابهة سقط فيها ضحايا، ومن كل الاطراف من دون استثناء، وعن هوية الجهة التي تسعى الى تفجير الوضع كلما لاحت في الافق بوادر حل. وآخر محاولات التفجير قبل حادث تعلبايا المأسوي، كانت في سعدنايل بعيد منتصف الليلة الاولى من رمضان قبل اسبوعين، تزامنا مع اجتماع تنسيقي يضم في اليوم نفسه وضم ممثلين لمختلف الاطراف ("حزب الله"، "امل"، "تيار المستقبل") في المنطقة، فهل انتهى التحقيق في الحادث؟ وهل عرفت هوية ركاب السيارة "المجهولة" الذين رموا قنبلة على احد المقاهي في البلدة؟
اذا بقيت هذه الاسئلة وغيرها، في سعدنايل وتعلبايا وبيروت من دون اجوبة، فليس ما يحول دون تكرار حوادث القتل والتخريب، التي اذا استمرت فلن تبقى محصورة في بقعة معينة، بل ستمتد – وهذا هو الهدف الاكيد لمرتكبيها – الى سائر المناطق. ومن الغباء الاعتقاد ان احدا في لبنان يمكن ان يبقى في منأى عن تداعياتها. وأسوأ ما فيها انها تزج بالاهالي الآمنين في بيوتهم، في معارك لا علاقة مباشرة لهم فيها، لا من قريب ولا من بعيد. فنبض الناس والرأي العام يجمع على الدعوة الى وقف مسلسل القتل والتفجير، واقل العبارات التي توجه عبر الاعلام: "دعونا نعيش بالحد الادنى من الامان"!
انه بالفعل، سباق بين مساعي المصالحة ومحاولات التفجير. وليس افضل من المصالحات ما يمكن ان يضع حداً لعمليات القتل والتفجير. واقصر الطرق الى ضبط الوضع الامني هو القبض على قاتل واحد او على مرتكب جريمة رمى قنبلة هنا او هناك، وهذا ما لم يحصل بعد، باستثناء "بداية" في طرابلس اذ ألقي القبض على ناقل اسلحة في سيارته. فبقي الوضع هادئاً ولم تتجدد الاشتباكات.
اذاً، ليس مستحيلا ضبط الوضع الامني عندما يتخذ القرار، فهل اتخذ في منطقة ولم يتخذ في اخرى؟ السؤال يبقى مشروعا امام استمرار اعمال القتل والتخريب وسقوط الضحايا "بالمفرق" من دون القبض وإن على واحد من مرتكبي هذه الجرائم!
وبناء على الانفراجات التي احدثتها المصالحات الثنائية، من طرابلس الى الجبل، وآخرها كان أول من امس بين "حزب الله" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" برعاية الوزير طلال ارسلان في دارته في خلدة، يبقى الرهان على انتصار المصالحة على محاولات التفجير. ويبدو واضحا ان هذه المصالحة ستتوج بلقاء يفترض انه لم يعد بعيدا بين الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، في خطوة متقدمة جدا كانت حتى الامس القريب من المستحيلات. لا شيء مستحيلاً في السياسة، وخصوصا في لبنان.
واذا كان اللقاء ممكنا وسيصبح واقعا، بين نصرالله وجنبلاط، فهل يبقى معلقا بين "السيد" ورئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري؟
بالتأكيد لا. وان كان هذا اللقاء يستلزم تحضيرا وافياً كي يتحول مصالحة حقيقية ويزيل التداعيات الكارثية لحوادث ايار الدامية في بيروت. ومن غير المبالغة القول ان لقاء نصرالله – الحريري، كان "اسهل" من لقاء نصرالله – جنبلاط، ولا سيما عندما نتذكر ما كان يقال في اصعب ظروف الازمة السياسية وادقها، اذ لطالما ردد قريبون من السياسة السورية ومؤيديها، انه "من الممكن تفهم "الدوز" العالي لخطاب الحريري، ولكن ما باله وليد جنبلاط؟".
وعندما يلتقي السيد نصرالله والنائب جنبلاط، يصبح من الطبيعي ان تتجه الانظار الى طريق المختارة – دمشق، فهذا اللقاء يبدو المعبر الالزامي الى دمشق التي لا بد – بل الاكيد – انها "في أجواء المصالحات" سواء في طرابلس او في خلدة.
وفي الانتظار ستبقى العين على البقاع وبالتأكيد على بيروت!