"مفهوم" الدولة… و"كنف" الدولة!
هل تستطيع سكينة المكان ورمزيته ان تدفع لبنان بعيداً عن الآثار المدمرة التي يمكن ان تلحقها به الصراعات الاقليمية والدولية، التي تتقاطع فوقه وداخل عقول الذين يقودون حركة المنازعات السياسية والامنية فيه؟
نطرح هذا السؤال من وحي الكلمة التي ألقاها الرئيس ميشال سليمان امس مفتتحاً مؤتمر الحوار الوطني، الذي يواجه ملفات معقدة تتصل بالعنوان الذي اختير له اصلاً، اي الاتفاق على "استراتيجيا دفاعية"، في مواجهة الاخطار الدائمة والتهديدات المستمرة من العدو الاسرائيلي.
فبعدما اشار الى اهمية الحوار والتفاهم والمصالحات في خلق الاستقرار والهدوء وتفعيل النمو والتقدم في لبنان، لفت سليمان الى الاجواء المشحونة والتوترات المتزايدة على المستويين الاقليمي والدولي، وما ينتج من هذا من استهدافات ورياح عاتية قد تضرب لبنان. وهو بلد صغير ليس هناك ما يحميه ويدرأ عنه الاخطار والتهديدات الا التفاهم والوفاق بين ابنائه. وهما يأتيان من مصدر واحد اي الحوار بين اللبنانيين.
❒❒❒
واذا كان قد وصف بداية جلسات الحوار امس في مرحلته الثانية، بأنها محطة مفصلية، تفتح نافذة على حوار هادئ تشوبه محاولات المتضررين وقوى الشر التي تفتعل الاحداث الامنية هنا وهناك، فإنه تعمد تحريك الشعور الوطني في الحاضرين والسامعين ايضاً، عندما قال انه اختار قاعة الاستقلال في القصر الجمهوري مكاناً لعقد جلسات الحوار الذي سيتم بتقطّع وعلى مراحل قد تطول كما يبدو.
وكرئيس للدولة ومؤتمن على السيادة والدستور، كان سليمان واضحاً في ابراز رأيه في الموضوع الاساس الذي سيتناوله الحوار اي "استراتيجيا الدفاع"، عندما قال ان هذه الاستراتيجيا تندرج تحت مفهوم الدولة، التي يجب ان تستفيد من طاقات المقاومة في مواجهة اسرائيل.
وفي اي حال لا ندري ما الفرق هنا بين القول "تحت مفهوم الدولة" وما سبق ان اثير حول اقتراح الوزير نسيب لحود الذي قال "في كنف الدولة"؟!
❒❒❒
ولكن كيف يمكن ادراج هذه الاستراتيجيا تحت مفهوم الدولة، اذا كان اللبنانيون مختلفين حتى الآن على مفهوم هذه الدولة. او بالاحرى على مواصفات الدولة وثقافتها او بالاحرى فلسفة الدولة التي تقبل المقاومة ان تقف تحت مظلتها او ان تندمج في آلياتها وتنظيماتها الدفاعية؟
ثم كيف يصير وضع الاطر التنظيمية الميدانية والعملانية التي تترجم "استفادة الدولة من طاقات المقاومة" على ما اشار سليمان؟ خصوصاً ان هذه الدعوة الى الاستفادة تعني ضمناً، ان الكلمة الفصل يجب ان تكون للدولة. بينما الواقع الراهن يؤكد ان المقاومة كبرت ونمت بسبب ضعف الدولة كما يقال جهاراً وبكل صراحة ومن يملك 40 الف صاروخ كيف سيقبل بأن ينضوي تحت مفهوم الدولة او تحت "كنف الدولة" وهي الكلمة التي لم يكن مقبولاً ذكرها، مجرد ذكرها في البيان الوزاري؟
❒❒❒
عند هذا الحد يمكن المخيلة ان تخترق الابواب المغلقة في قاعة 22 تشرين الثاني، لترى وبالعين المجردة ان الحوار لن يكون نزهة والنقاش لن يصير تراشقاً بالورود بل بالتناقضات والمخاوف والاتهامات ايضاً وايضاً.
واذا كان سليمان قد ترك للمتحاورين الـ 14 في الجلسة الافتتاحية امس،
الاتفاق على شكل الحوار ومضمونه، وهو امر يتصل بزيادة المشاركين في الحوار وبتوسيع المواضيع التي سيتطرق اليها المتحاورون، وهذه مسائل تنقسم الآراء حولها قبل بدء الحوار، فإن ذلك يعني عملياً زيادة الاثقال الملقاة على عاتق تلك الطاولة المستطيلة، بما قد يجعلنا في احسن الاحوال امام مسلسل مكسيكي كما قلنا امس.
❒❒❒
بالتأكيد ان الاهداف المرتجاة اصلاً من الحوار ستكون عرضة للاخطار، التي ترتفع بصماتها النارية بوتيرة تصاعدية عشية الحوار من جريمة بيصور الى قنابل كورنيش المزرعة الى اطلاق النار ليلاً في تعلبايا وصولاً الى اشتباكات مخيم عين الحلوة.
وبالتأكيد يقول سليمان "ان الممنوع هو الفشل"، فإن ذلك لا يعني بالضرورة ان الحوار سيتقدم مسرعاً نحو التفاهم والوفاق. لان ما يحول دون الفشل في النهاية هو وجود حد ادنى من التوافق على مفهوم الدولة ووجود حد ادنى ايضاً من التطابق في الرد على السؤال الابدي:
اي لبنان نريد؟
ولماذا يبقى هذا السؤال ابدياً؟
لسبب بسيط يتصل اولاً بطبيعة النسيج التعددي الذي يتكون منه لبنان، وثانياً بطبيعة موقعه الذي يجعل منه مفصلاً حيوياً لمجموعة من تقاطع المصالح والاستهدافات الاقليمية والدولية.