من حاول دفن المؤتمر في مهد الجلسة الأولى؟ وكيف سيتصرّف الأسد "المزعوج"؟ وهل من خطر يتهدد رئيس الجمهورية؟
نجاح سليمان في تحديات الحوار يخرج الطائف من "حاجة" الوصاية
أهم ما في الجلسة الأولى لمؤتمر الحوار الوطني الذي انطلقت أعماله في القصر الجمهوري في بعبدا، بعد لجوئه القسري الى ساحة النجمة فالدوحة، كان في توصله الى تحديد الخامس من تشرين الثاني المقبل، موعدا لانعقاد الجلسة الثانية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة، في أنّها أعطت مؤشرا الى "لبنانية" المؤتمر، الذي تشهد جامعة الدول العربية على مجرياته، بعدما كان واضحا للعيان أن هناك من حرص، بعدما ازعجه تحديد موعد الجلسة الأولى، على أن يجعل منها الجلسة الأخيرة، واضعا مواقف في فم رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان تفيد بأن الجلسة الثانية لن تكون قبل تشكيل المجلس النيابي المقبل.
إلا أن حيوية تحديد موعد الجلسة المقبلة، لا تُعفي الحريصين على نجاح هذا المؤتمر، الذي تقوده الرئاسة اللبنانية وترعاه وبالتالي تربط أهمية دورها المستقبلي في البلاد بأهمية ما سوف يتم إنجازه، من تحديد هوية الجهة المحلية أو الإقليمية التي حاولت بشتى الطرق أن تُطوّق الإنطلاقة الواعدة بمجموعة من العبوات السياسية الناسفة، كانت أكبرها تلك العملية التسويقية الهادفة الى تحويل "جلسة المهد" الى "جلسة اللحد".
والإصرار على وجوب تحديد هذه الجهة، لا تُدرجه أوساط سياسية مراقبة في إطار التلهي بحل واحدة من أسهل الشبكات المتقاطعة على الإطلاق، بل تضعه في إطار حماية المؤتمر من التفجير الميداني أولا، ومن الإمعان في مسار إغتيالي جديد فتحته جريمة بيصور، وهي الأولى من نوعها التي تقتحم عمق الجبل، ثانيا.
وتقول هذه الأوساط إن موافقة الرئيس سليمان في الكلمة التي استهل بها أعمال مؤتمر الحوار الوطني، أمس على النظرية التي تربط اغتيال الشهيد صالح فرحان العريضي بتحديد الجلسة الحوارية الأولى، تدفع الجميع الى التساؤل عمّا إّذا كان العدو الإسرائيلي هو الذي أوعز الى بعض الحناجر اللبنانية وملحقاتها الدعائية أن تتخذ مواقف "معادية" من التئام "طاولة الفرسان" وبث رسائل تجعل من السادس عشر من أيلول 2008 يوما لدفن الحوار الوطني، وليس لإحيائه، أم أن كل ما قيل وكل ما تمّ التسويق له ناجم عن إستياء سوري عارم، على اعتبار ان الرئيس سليمان، العذب الملافظ، لم يتقف أثر خريطة الطريق التي رسمها الرئيس بشار الأسد في باريس، عندما قال إن مؤتمر الحوار الوطني سينعقد في لبنان، بعد الإنتخابات النيابية.
وفي هذا السياق، لا يُمكن تجاوز العملية المنهجية التي يتبعها الرئيس السوري منذ انتهاء أعمال القمة اللبنانية ـ السورية في دمشق، ذلك أنه، عاد فجأة الى تنظيم استقبالات علنية مكثفة لشخصيات سياسية لبنانية، بطريقة تهدف الى سحب الهالة عن رئاسة الجمهورية اللبنانية، التي تبدي إصرارا غير طبيعي على فتح علاقة جديدة مع القيادة السورية، عمودها الفقري، المصارحة، بما تعنيه هذه العبارة، من احتفاظ سليمان بحق مواجهة الأسد بمجموعة من الحقائق والشكاوى والحقوق اللبنانية.
ويؤكد زوار العاصمة السورية أن الأسد تصيبه القشعريرة كلما سمع موقفا إيجابيا من سليمان تجاه سوريا، وثمة من ينقل عن أقرب المقربين الى الرئيس السوري أن العماد سليمان "أخطأ"، حين لم يلتقط إشارة الإعلان عن استضافة الأسد للرئيس السابق اميل لحود وعائلته في حلب، قبيل القمة اللبنانية ـ السورية، وهي إشارة تعني أن الأسد لا يرتاح إلا للسلوكيات اللحودية، كما لم يلتقط لاحقا إشارة إستمرار غياب لحود عن القصر الجمهوري، في المناسبات البروتوكولية، وهي إشارة تعني أن الأسد، الذي قال يوما إنه ولحود واحد، غير راضٍ عن أداء الرئيس سليمان.
وتؤكد مصادر سياسية لبنانية، طالما ادّعت قدرتها على فهم السياسة الأسدية في لبنان، أن القرار الذي انتهت إليه الجلسة الاولى من الحوار الوطني ستُثير غضبا شديدا في سوريا، لأنه سيدعوها الى تقديم تنازلات أقسمت اليمين أنها لن تُقدّم "فترا" منها قبل أن "تتبخر" هذه "الأكثرية الدفترية المعادية" وتأتي "أكثرية نيابية موالية".
وتشير هذه المصادر الى أن وضع الجلسة الأولى لمقررات مؤتمر الحوار الوطني التي اتُخذت في اجتماعات العام 2006، تعني أن الرئيس سليمان، سيقود عملية تهدف الى تحديد مزارع شبعا اللبنانية، أولا والى نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات (ومرجعيته سورية) ثانيا بعدما تحقق انتزاع تعهد بتبادل التمثيل الديبلوماسي، وإعادة وصل ما انقطع من علاقات طبيعية رسمية بين البلدين، من خلال تسليم كل الأطراف اللبنانيين بكل ما يقوم به رئيس الجمهورية.
ولا يمكن في هذا السياق، إهمال جملة تعهدات قطعها الرئيس سليمان على نفسه، بموافقة الأطراف المعنيين بها، وفي مقدمها إنجاز المصالحات وتوفير لقاءات هدفها توفير نجاح المؤتمر شكلا ومضمونا، خصوصا بعد سدّ الأفق على توسيع التمثيل، بفعل عدم توافر الإجماع المُنتج للقرارت، في مؤتمر ترفض طبيعته الوطنية التأسيسية، الفرض من هنا والتصويت الأكثري من هناك.
وهنا، يتضخّم الخطر على الرئيس سليمان، سواء كان معنويا أم جسديا، لأن نجاحه في التحديات الكبرى التي رسمها لنفسه، من شأنها، للمرة الاولى، أن تُقدّم اختبارا لبنانيا لمصلحة اتفاق الطائف، بحيث تحل رئاسة الجمهورية الوفاقية، مكان اليد الحديدية للوصاية السورية.