لا جدوى من إقناع الطرف الآخر.. والقناعة المشتركة مؤجّلة
غاية الحوار التأهيل للانتخابات
الإنعقاد الثاني لطاولة الحوار الوطني برعاية رئيس الجمهورية له غاية محدّدة تماماً، وهي تأهيل البلاد لإجراء عملية إنتخابية العام القادم وتأمين سلامتها وضمان نتائجها، بحيث تلزم طوعيا جميع الأطراف، ولا تكون عرضة للتدليس تحت الضغط الأمني عشية أو أثناء أو في أعقاب الإقتراع.
صحيح أن المتحاورين يتحينون الخوض في المنظومة الدفاعية ويعتبرون أن المسألة الإنتخابية حسمت إلى حد كبير بموجب التقسيمات المعتمدة في مؤتمر الدوحة. وصحيح أن كل طرف أعدّ ملفاته وانتقى مفرداته سواء بقصد إفحام الآخر عند طرق مسألة المنظومة الدفاعية أو بقصد الإفساح في المجال لبلورة قناعة مشتركة تؤلّف بين القلوب. إلا أن المؤتمر ليس مرهونا تقييمه بمدى قدرة طرف على إقناع الطرف الآخر بوجهة نظره حول معنى المقاومة ودورها وحدودها وشكل علاقة الدولة بها. المعيار النافع والصالح لتقييم مسار الحوار هو قدرته على التوصّل إلى صيغة تجاه الخارج تؤمّن "تجميد" الأوضاع في لبنان بإنتظار المزيد من إتضاح الصورة الدولية بعد الإنتخابات الأميركية وتداعياتها على الوضع في المنطقة من إيران إلى إسرائيل. كما أن المعيار الداخلي الصرف للنظر في نجاح الإنعقاد الثاني للحوار هو التوصّل إلى صيغة تخفّف الإحتقان حول الدولة والمقاومة إلى حد كبير، وبما يمهّد لإحالة هذه المسألة ولو بشكل نسبي أمام التحكيم الشعبي في الإنتخابات القادمة. من دون الحوار الوطني تكون الإنتخابات قد حسمت لا في الدوحة وإنما في 7 أيار. مع المصالحات، ومع الحوار الوطني، ثمّة فرصة أكيدة لأن تكون الإنتخابات غير محسومة أمنياً، وذات مشروعية وافية، بل لأن تكون الإنتخابات ممكنة في موعدها.
يقتضي ذلك الآن التوفيق بين إتجاه يرفض أن يكون السلاح هو الناخب الأكبر في الإنتخابات وبين إتجاه مضاد يرفض أن يكون السلاح موضع أخذ ورد في لجّة المعركة الإنتخابية ويرى أن السلاح أكثر قدسية من الإنتخابات وله في أقل تقدير شرعية مكتسبة ليست بحاجة إلى إمتحان الإنتخابات التشريعية، وإن كان هذا السلاح يحصّن نفسه موسميا ببعض "استطلاعات الرأي" التي تكاد تشبه "استطلاع رأي" داخل حزب البعث في سوريا حول حكمة الرئيس بشّار الأسد.
من الضروري إعادة الإعتبار للعملية الإنتخابية كعملية تحكيمية، "أيضاً" في ما يتعلّق بالمسألة الدفاعية. وهذا الأمر إن أوحى به الحوار الوطني أو أسّس له يكون قد حقق نجاحاً كبيراً. شرط ذلك بناء حالة من الإستقرار السياسي والأمني والأهلي بدلاً من حالة تأرجح الأوضاع بين تهدئة من هنا واشتعال من هناك. كذلك فمن المطلوب أن يتمكّن "حزب الله" وحلفاؤه من الجمع بين تحييد السلاح عن الإنتخابات كناخب أكبر ضاغط بوسائل قهرية على إرادة المرشحين والناخبين وبين تقبّل أن يكون مستقبل هذا السلاح محوراً رئيسياً في الإنتخابات. مثل هذه الصيغة لن تؤمّن فقط انتخابات ذات وزن ومصداقية، إنما ستؤمّن الطريق لل"الإنعقاد الثالث" لطاولة الحوار، برعاية الرئيس ميشال سليمان، إنما بعد الإنتخابات مباشرة. عندها يمكن التفاؤل وإنتظار "حل نهائي" لمسألة العلاقة بين "الدولة" و"حزب الله" ـ "المقاومة".
المهم الآن هو أن يثبت الحوار كيف تكون الإنتخابات ممكنة و"متعايشة" مع سلاح ينتخب في نهاية الأمر "معه أو ضدّه" ويطلب منه في نفس الوقت البقاء على حياد. المهم أيضاً هو البدء في طرح السؤال ليس عن سبل "تحديد مواضع استخدام السلاح" بل عن المشكلة التي يمثّلها تراكم الموانع الحائلة في السنوات الأخيرة دون استخدام السلاح. في نهاية حرب تموز وآب 2006 صدر القرار 1701 وهو لا يعني أقل من وضعية يصعب بعدها استخدام "حزب الله" لسلاحه تجاه اسرائيل كما في السابق، وإن كان الجانب الهش من هذه الوضعية يسمح لـ"حزب الله" بمراكمة ترسانة مضاعفة وبالإبقاء على سيادته "الجوفية" جنوب الليطاني. من يومها ما عاد "حزب الله" طليق اليد ليس فقط لجهة تجاوز الخط الأزرق، بل أيضاً في مزارع شبعا حيث تراجع الإشتباكات فيها إلى حد كبير. أما على الصعيد الداخلي فإن "حاجة حزب الله" إلى استخدام سلاحه في 7 أيار قد جعلته يوقّع على صلح يتعهّد فيه بعدم استخدامه مجدّداً في الداخل. بصرف النظر عن صلابة هذا النوع من التعهدات فإن استخدام السلاح بشكل مباشر بعد 7 أيار وكما في 7 أيار ما عاد مؤاتيا، لسبب بسيط وهو أن من يكرّر 7 أيار أمنياً يحصد النتائج ذاتها، لا أكثر ولا أقل. يسيطر على كل العاصمة لكنه لا يتمكن من الدخول إلى السرايا. يدفع الحكومة للعدول عن قرارات اتخذتها تحت القوة لكنه لا يدفعها للإستقالة.
وبعد ذلك جاء اطلاق سراح آخر الأسرى ليفرض عائقاً اعتباريا أو معنوياً جديداً على سهولة استخدام "حزب الله" لسلاحه ضد اسرائيل. وقد تفرض عوائق معنوية جديدة سواء إذا "ابتكر" حل ديبلوماسي لمشكلة مزارع شبعا، أو إن تقدّمت المفاوضات الإسرائيلية _ السورية، أو إن حلّت المشكلة الإيرانية _ الأميركية بالتي هي أحسن.
ما يواجهه "حزب الله" فعلياً منذ ثلاث سنوات هو تراكم هذه العوائق القانونية أو المعنوية، بما فيها التعهدات من قبله، لإستخدام السلاح سواء ضد العدو أو في الأزمة الداخلية. المشكلة اللبنانية الآن تتلخّص في أنّ "حزب الله" يحافظ "أكثر فأكثر" على جهوزيته القتالية لكنه يندرج "أكثر فأكثر" في شبكة من العوائق الإعتبارية الحائلة دون استخدام السلاح، من القرار 1701 إلى الدوحة. والمشكلة تكبر لأن هذه العوائق الحائلة دون اطلاق يد سلاح حزب الله كانت نتيجة لـ"مهارة" حزب الله في استخدام هذا السلاح سواء في المواجهة مع اسرائيل أو في إجبار الداخل اللبناني على العدول عن قرارات حكومية.
قيمة الحوار الوطني الآن في "استباقه" لأي "عنف استباقي" يمارس ضد الإنتخابات أو في حرفها عن مسارها. مع هذا الحوار ثمة فرصة حقيقية لوضع عائق جديد دون استخدام السلاح. التحدي هو أن تكتمل شبكة العوائق بما يمهّد لـ"حل نهائي" بخصوص المسألة الدفاعية بعد الإنتخابات. أما الخطر فأن تتكشف العوائق "محض معنوية" تتكسّر عند أي منازلة عسكرية لدواع إقليمية، وعند أي إضطرار لإجراء عملية "موضعية" في الداخل اللبناني.