خطاب حكيم ومسلّمات ليست مسلّمات!
الطريقة التي القى بها رئيس الجمهورية ميشال سليمان خطابه الافتتاحي لمؤتمر الحوار الوطني الذي دعا اليه في قصر بعبدا قبل يومين والهدوء والرصانة والحكمة التي اظهرها مع مناقشات "الاخوة الاعداء" في "قاعة الاستقلال" وفرت دليلاً اضافياً للذين لا يزالون يشككون في مواقفه او التزاماته او دوافعه او انتماءاته الداخلية والخارجية يؤكد ان اقتناعاته التي تكوّنت على مدى ممارسته قيادة الجيش تتضمن مواقف لكل الافرقاء المتناحرين في البلاد ويؤكد في الدرجة الاولى ايمانه بدولة لبنان. وقد ظهر ذلك تحديداً في نظرته الى الاستراتيجية الدفاعية اذ دعا الى ان "تتكامل فيها كل عناصر قوة الدولة والتي تندرج تحت مفهوم الدولة في الدفاع عن اراضيها في اطار السياسة العامة للبلاد". ثم اكد ان في "استطاعتنا وضع استراتيجيا دفاعية تحمي لبنان تستند الى قواتنا المسلحة وتستفيد من طاقات المقاومة وقدراتها" ودعا الى "دمج قدراتنا بما فيها الديبلوماسية".
طبعاً تضمن خطاب الرئيس سليمان اموراً اخرى يعتبرها اللبنانيون السياسيون على تنوعهم وتناقضهم مسلّمات على الاقل في مواقفهم الرسمية علماً انه يعرف ان الخلافات عليها مزمنة وان الممارسات لم تظهر يوما انها مسلّمات الامر الذي جعلها عنواناً غطى به هؤلاء تكاذبهم فكرّسوا الانقسامات الطائفية ثم المذهبية وتسببوا باكثر من فتنة وحرب اهلية والحبل على الجرار. من هذه الامور ما ورد في الخطاب عن "استنادنا الى تجربة ديموقراطية عريقة يشكّل الحوار واحدة من ابرز ممارساتها". فعن اي تجربة ديموقراطية تحدث الرئيس؟ عن التجربة الشكلية التي تم التعبير عنها اكثر من مرة منذ الاستقلال بالانتخابات الرئاسية والتشريعية وبتأليف الحكومات؟ ام عن التجربة الفعلية حيث كانت الديموقراطية منذ الاستقلال حتى الحرب عام 1977 سيطرة مسيحية على الدولة بحجة الخوف ومحاولة اسلامية مستمرة للتوازن والمشاركة، وحيث كانت الديموقراطية بعد ذلك حرباً شعواء بين الفريقين استعان فيها المسيحيون باسرائيل والمسلمون بالفلسطينيين، وحيث كانت الديموقراطية بعد انتهاء الحرب وصاية وهيمنة شقيقة على لبنان وتفريخاً للمذهبية الاسلامية على جوانب الطائفية وحيث تحولت الديموقراطية بعد زوال الوصاية عام 2005 الى الآن حرباً للسيطرة على مقدرات البلاد بين المسلمين ومحاولة مُغامِرة وغير محسوبة لاستعادة مجد تليد من المسيحيين. طبعاً لا يستطيع رئيس الجمهورية ان يقر رسمياً وصراحة بان لبنان الديموقراطية فشل. لكنه وفي مكان آخر من خطابه تحدث عن "التوافقات" التي جرت وتجري بين الاطراف اللبنانيين ودعا الى انجازها لان البدائل الاخرى بخلاف التوافق تدعو الى القلق الشديد والخوف على المستقبل". وفي ذلك اعتراف بصعوبة الاوضاع الراهنة. الا انه في مكان آخر اعتبر انجازا ما ليس بالانجاز لأن تنفيذه لم يتم وهو الحوار الذي رعاه رئيس مجلس النواب نبيه بري عام 2006 ثم "المشاورات" والذي لم يبذل احد جهداً لتنفيذه. والتذرع بحرب تموز 2006 على خطورتها وصعوبتها لا يفيد لأنها انتهت على خير وبانتصار. وكان يمكن المنتصرين فيها – علما ان لبنان كله انتصر – ان يكونوا السباقين في المطالبة بتنفيذ ما اتفق عليه وفي تذليل عقده الداخلية والخارجية وهي موجودة. طبعاً لم يكن في استطاعة الرئيس سليمان ان لا يشكر جامعة الدول العربية. لكن اللبنانيين يعتقدون انه بالغ في هذا الامر. فهي لم تفعل سوى استضافة اجتماعات لمعالجة مشكلات لبنان، والقرار الوحيد الذي توصل اليه وزراء خارجيتها لم ينفذ واختلف عليه اللبنانيون بسبب اختلاف العرب عليه رغم موافقتهم عليه. اما اجتماع الدوحة الذي استمر اتفاقاً اجرائياً وإن مهمّا ففرضته حوادث ايار 2008 وليس فاعلية الجامعة المفقودة منذ عقود كما يعرف العرب كلهم من المحيط الى الخليج.
"ما علينا" كما يقول البعض في الوطن العربي. نحن الآن في مرحلة حوار وطني داخلي لا بد من اكمالها والانتهاء منها بانجاز وطني. لكن ذلك مستحيل من دون موافقة طرف اساسي خارجي وان شقيق هو سوريا المجاورة للبنان وطرف اساسي خارجي آخر صار شقيقاً منذ سنوات هو الجمهورية الاسلامية الايرانية. والاثنان يشكلان محورا واحدا. كما انه سيكون مستحيلاً من دون موافقة محور خارجي آخر مكوّن من اشقاء في مقدمهم المملكة العربية السعودية ومصر. علماً ان موافقة المحور الاول وتالياً تسهيله امور الحوار قد يكون الاهم في هذه المرحلة ولاعتبارات كثيرة معروفة. لذلك يفترض في رئيس الجمهورية وحكومته وكل مؤسسات الدولة العمل معاً للافادة من "الظروف الخارجية المساعدة وبالاخص من القمة اللبنانية – السورية الاخيرة التي يؤسس البيان المشترك الصادر عنها أرضية صالحة تحصّن امكاناتنا وتعزز عناصر القوة المتوافرة لدى البلدين". وذلك ما شدد عليه سليمان في خطابه امام المتحاورين قبل يومين. وتحرك هؤلاء في اتجاه سوريا ربما يكون اكثر اهمية من الحوار في ذاته رغم ان استمراره ضرورة وطنية لانه السبيل الى انجاحه. ولا يتوهمنّ احد ان انجازاً حوارياً سيتحقق من دون سوريا. لكن لا يتوهمنّ احد ان انجازاً كهذا سيتحقق من دون ايران ايضاً الامر الذي يفرض التحرك في اتجاهها ايضاً. اما الخارج المتنوع الآخر فمهم ودوره مهم لكنه في موقع دفاعي في لبنان وربما في المنطقة ومعه الفريق اللبناني الذي يدعمه.
واذا لم يحصل كل ذلك فالسلام على الحوار والمتحاورين وربما على لبنان، علماً ان المصلحة الوطنية تقتضي من الرئيس سليمان وكل مؤسسات الدولة التنبه الى احتمال نشوء خلافات بين الحلفاء في لبنان تبعاً لخلافات "حلفائهم" في الخارج والعمل لمنعها. وذلك يكون باعطاء اولوية مماثلة لاولوية الحوار للعلاقة اللبنانية – السورية ولموضوع ايران ولمخاوف السعودية ولقلق مصر. لكن هذا كثير على لبنان. اليس كذلك؟