"الابتعاد عن الاستفزاز السياسي" لماذا اقترب منه "حزب الله"؟!!
يعلن معظم الذين شاركوا في طاولة الحوار في القصر الجمهوري أن البند الثالث من البيان الختامي للجلسة الافتتاحية للحوار هو المدخل الاساسي لتعميم الأجواء الإيجابية على اعتبار أن هذا البند يتحدّث عن اتفاق المتحاورين على ميثاق شرف بينهم "لالتزام المسلمات التي أطلقها خطاب القسم والابتعاد عن أي مظهر من مظاهر الاستفزاز السياسي وتهدئة الخطاب السياسي والإعلامي وإعلان الفرقاء التزامهم هذه التهدئة عبر وسائل الإعلام". انتهى نص هذا البند الذي أعلن الجميع الالتزام به وبسائر بنود البيان الختامي.
مصدر سياسي مطلع توقع لحظة الإعلان عن هذه المقررات أن يجتهد كل فريق في تحديد "مظاهر الاستفزاز السياسي" تبعاً لموقعه وأوضاعه وصلته بتلك المظاهر خصوصاً في ظل غياب قواسم مشتركة بين المتحاورين من شأنها أن تحدّد المفاهيم التي ستحكم مقدار مقاربة هذا الفريق أو ذاك لمظاهر الاستفزاز. واستحضر المصدر سلسلة وقائع كان يجتهد كل فريق في تحديد معانيها وأولوياتها واندراجها في السياق السياسي العام. فقد توقف فريق الثامن من آذار طويلاً عند تفسيراته لبنود اتفاق الدوحة وقبلها لمقررات اللجنة العربية وقبلها الموقف من القرار الدولي 1701، دائماً كانت التفسيرات الخاصة تعرقل سبل انطلاق الحل فضلاً عن غياب واضح لمرجعية يمكنها تحديد هذا المفهوم أو ذاك.
ويتوقف المصدر عند الكلام الذي أعلنه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في حفل افطار أقامته الأنشطة النسائية في "هيئة دعم المقاومة" بعد ساعات قليلة على إعلان البيان الختامي لهيئة الحوار بحيث أعلن أن ما جرى في 7 أيار "غزوة بيروت" كان "محاولة لجرّ المقاومة إلى اقتتال داخلي وفتنة بعناوين مختلفة ولقد تجاوزناه". ويعترف السيد نصرالله بوجود اختلاف حول قراءة ما جرى يومها إلا أنه قدّم قراءته للمرة الثانية، واتهم الحكومة السابقة التي كان يرأسها فؤاد السنيورة ومَن معه بأنها انصاعت لدول وقوى أجنبية بهدف جرّ المقاومة إلى حرب استنزاف من شأنها أن تفكك الجيش وقوى الأمن الداخلي وبالتالي إلى أسقاط الدولة في لبنان.
ويتساءل المصدر عمّا إذا كانت هذه القراءة المكرّرة تعتبر استفزازاً سياسياً دعت هيئة الحوار المجتمعة في القصر الجمهوري إلى الابتعاد عنه أم أنه لا يندرج في هذا السياق خصوصاً وأن السيد نصرالله كان قد دعا في مرّات سابقة إلى احتفاظ كل فريق بقراءته لما جرى في السابع من أيار إلى مرحلة من الحوار اللاحق يقدم فيها كل فريق رأيه ضمن سياق نقاش أو حوار داخلي على الرغم من أنه هدّد يومها أنه قد يضطر إلى تقديم قراءته لما جرى في بيروت إذا أصرّت قيادات بيروت وأهاليها على قراءاتهم التي تصف الوقائع بأنها "غزوة"، وها هو يقدّم قراءته متجاوزاً حتى مساعي المصالحة التي تحدّث عنها في بيروت.
فأهالي المدينة ـ يعرف السيد نصرالله وغيره ـ أن ما تعرّضوا له على أيدي "حزب الله" وليس "بعض قوى المعارضة" وفق تعبيره، هو اعتداء موصوف من فريق مدجّج بسلاح "مقاوِم لإسرائيل" استُعمل في أزقّة العاصمة ولم يصدّه أحدى سوى مَن اعتقد انه يستطيع الدفاع عن بيته بمساعدة القوى الأمنية، وكان اعتقاده في غير محله فالعاصمة لا تسقط خلال ساعات لو كان فيها مسلحون بالعشرات لأنها لم تقرّر حماية نفسها وأهلها بسلاح ميليشياوي. فخيار الدولة بكل مؤسساتها هي قراءة أهل بيروت لغزوة السابع من أيار في مواجهة القراءة المستجدّة بالأمس للسيد نصرالله الذي كان حرياً به تقديم قراءته في سياق البحث عن المصالحة في بيروت كما قال..
ويستغرب المصدر كيف يدعو السيد نصرالله إلى "معالجة مسائلنا بالحوار" ويقدم في لحظة سياسية غير موفقة قراءة استفزازية لحدث يقول هو عنه أنه موضع خلاف بين اللبنانيين. لقد كان حرياً به وقف الحديث العلني عن هذا الموضوع وسط أجواء حوار ومصالحات فقط لأنه يعرف أن أهالي بيروت لا يشاركونه التحليل والتقويم لحادث بحجم ما جرى في السابع من أيار، وكانت الطامة الكبرى قول السيد "لقد تجاوزنا ما حدث!!" فلقد رضي القتيل ولم يرض القاتل.. فإصرار "حزب الله" بلسان أمينه العام ومسؤولين آخرين على أنهم "أنفذوا لبنان دولة وجيشاً وشعباً" في السابع من أيار في مقابل إصرار أهالي بيروت على أنهم تعرّضوا لغزوة بربرية ولاعتداء مسلح ميليشياوي من شأنه المد بعمر الفتنة.. فلا الحزب اعتذر من بيروت أو لبيروت أو من اللبنانيين بل أصرّ على قراءة تمجّد هذا الحزب وتحط من قدر العاصمة وأهلها.
ويخلص المصدر إلى القول إن بداية التصالح تبدأ في مقاربة موضوعية لما جرى ولا بأس من تحميل الذات بعض المسؤولية، فلا يعقل وفق أي حسابات أن يكون "حزب الله" على حق في ما جرى في بيروت وكل الآخرين على خطأ، وهذا من شأنه إطالة عمر التأزم وتعميق الأحقاد وعدم إنجاز المصالحات الحقيقية التي تتطلب توافقات من نوع آخر لا يزال "حزب الله" بعيداً عنها…