لأن العبرة بالمعاني لا بالمباني ولأن طاولة بعبدا ليست "جائزة ترضية"
هل يوسّع سليمان الحوار طالما الأقلية ممثلةٌ بأكثريتها؟
حتى تاريخ 5 تشرين الثاني المقبل، موعد الجلسة الثانية للحوار الوطني، حيث يستأنف القادة اللبنانيون سعيهم لبتّ المواضيع الخلافية وأولها تنظيم علاقة سلاح "حزب الله" بالدولة، وفي ظل تصاعد الخلاف على توسيع المشاركة وجدول الاعمال، تشدد أوساط ديبلوماسية عربية على الانتباه الجيّد للوضع الاقليمي "المقلق" سواء ما يتعلق بتطورات الأوضاع داخل الأراضي الفلسطينية أو على صعيد المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية واستمرار توتر العلاقات السورية ¬ العربية وأيضاً على صعيد الملف النووي الايراني. وبرأي هذه الأوساط ان "من ينتظر حلولاً للقضايا الإشكالية الكبرى، وسط هذه الصورة، هو كمن ينتظر سراباً، فالحلول ستبقى معقدة الى ان تهدأ المنطقة وتنتهي المواجهات فيها"، وتضيف ان ذلك "ليس قريباً".
إذاً، الوضع اللبناني يرتبط شرطياً بالوضع الاقليمي المضطرب، وهذا الأمر ليس سلبياً بالمطلق، فهو بحسب هذه الأوساط يمثّل "دافعاً لانجاز الحوار والخروج منه بنتائج ايجابية"، لكن هذه الأوساط ومن خلال رصدها للتطورات الميدانية في الفترة الأخيرة تلفت الى انه "لا يمكن عزل محاولات التفجير وزعزعة الاستقرار المستمرة في أكثر من منطقة لبنانية وفي بعض المخيمات الفلسطينية عن المناخ السياسي الذي يواكب الحوار بأفق الضغط عليه وعلى المصالحات التي تجري على أكثر من مستوى ومنطقة، وتحظى بقبول ورضى ودعم العرب الكبار".
توسيع الحوار نسف له
وفي انتظار ما ستفضي اليه جولة الحوار الثانية، لماذا يصرّ "حزب الله" على تضمين خطابه لغة تصعيدية، ليس بحق قوى الأكثرية فحسب بل والإعلام أيضاً، طالما أن قطار الحوار انطلق وأن أجواء مصالحات ترخي بظلالها الايجابية؟
في تقدير مصادر سياسية أكثرية، ان الفترة الفاصلة عن موعد 5 تشرين الثاني الذي يصادف غداة إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الاميركية، ستظهر بوضوح الاتجاهات في لبنان على نحو حاسم: فاما يظهر امكان التوافق على الاستراتيجية الدفاعية من خلال الحوار، او لا يظهر هذا الاحتمال. وترجح هذه المصادر أن يؤدي عدم الاتفاق على هذا الموضوع إلى عودة استخدام السلاح في الداخل على غرار ما جرى في 7 أيار الفائت طالما ان الذرائع لذلك متوفرة أو يمكن توفيرها في أي لحظة.
ويعزز هذا الرأي، بحسب المصادر نفسها، الخطاب المستمر لمسؤولين في "حزب الله" الذي يستعيد أجواء ما قبل اتفاق الدوحة. فخلافاً للمناخ القائم في البلاد اعتبر الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله أول من أمس، أن ما حصل في 7 أيار "وَأدَ الفتنة وأنقذَ لبنان وجيشه وشعبه من أسوأ المؤامرات"، وقال ان "هناك أناساً مستعدين لخوض حرب أهلية كي يربحوا الانتخابات"، ورأى ان توسيع دائرة المشاركين على طاولة الحوار بشخصيات دعمت المقاومة في حرب تموز "أمر استراتيجي ومصيري وأخلاقي"، مقابل "أطراف داخلية كانت لها مواقف، في الحدّ الأدنى، لم تكن مفهومة" آنذاك.
فهذا الخطاب، برأي هذه المصادر، لا يتعلق بالضغط على طاولة الحوار حصراً، بقدر ما ينذر باحتمال لجوء الحزب الى الخطاب التهديدي نفسه عند كل محطة مهمة مفصلية وربما الى تنفيذ تهديداته مجدداً، خصوصاً بعدما كسر حاجز استخدام السلاح في الداخل وبات أي تعهد من قبله بعدم هزّ الاستقرار غير مطمئن في ذاته متى تحضر المبررات له.
مصادر نيابية في "تيار المستقبل" رأت في الدعوة الى توسيع مروحة المشاركين في الحوار "دعوة لتوسيع رقعة الخلاف ومساحة التباين بين الأطراف"، ورصدت فيها "محاولة لطرح اشكاليات جديدة لاغراق الحوار وحرفه عن مساره بما قد يؤدي الى نسفه"، وسألت عن جدوى هذا الأمر "طالما أن قوى 8 آذار ممثلة بأكثرياتها، لا بل بطرفها الأكثر تأثيراً؟".
أما توسيع جدول الأعمال فرأت فيه هذه المصادر "هروباً الى الأمام من قبل الأقلية، ناهيك عن كونه يمثّل اختصاراً للمؤسسات الدستورية وتغييباً للسلطتين التشريعية والتنفيذية"، فيما رأت ان المواقف الحاسمة التي يطلقها قادة "حزب الله" من موضوع السلاح "من شأنها جعل الحوار مناسبة اجتماعية لأخذ الصور التذكارية لا أكثر".
بين المقاومة والدولة
الأوساط السياسية الأكثرية إذ تنوّه بانطلاق البحث في الاستراتيجية الدفاعية التي تحدد دور المقاومة والمرجعية التي تنتظم في إطارها، تتجنب الخوض في التوقعات والاحتمالات، لكنها تذكّر بأن أحداً من الأكثرية لم ينكر أصلاً وجود المقاومة وضرورة استعادة ما تبقى من أراض محتلة وفق الأطر والآليات التي تتوافق وامكانات لبنان، تلفت الى قرار لدى قيادات الأكثرية باستمرار انتهاجها المنحى "الايجابي" في مقاربة هذا الأمر.
هذه الأوساط تعتبر أن التوافق على استراتيجية وطنية موحدة للدفاع متى تحقق، من شأنه فتح الأفق أمام تسهيل حسم ملفات شائكة أخرى تصب في خانة دعم مسيرة بناء الدولة القادرة وجَسر القضايا الخلافية بمنأى عن التجاذب والاتهام والاستقواء. وهو أمر يستدعي تحديد ماهية السلاح المقاوم من سلاح الفوضى، وبحث جدوى اعتماد الخيارات العسكرية حصراً لاستعادة الحقوق من دون اعتماد الآليات المتاحة الأخرى، ثم الاتفاق على وسائل الدفاع والتحرير.
ثم إذا ما استُعيدت الأرض، هل تصبح الاستراتيجية الدفاعية واجباً وطنياً على الدولة والشعب بمختلف اتجاهاته ومذاهبه، أم ستكون مقتصرة على فئة معيّنة، وأيضاً ما هي احتمالات ردة فعل "حزب الله" فيما لو لم يتمّ الاتفاق على هذه الاستراتيجية؟
أولوية الأمن للانتخابات
واقع الأمور، بحسب هذه الأوساط، أن جوهر التباين بين قوى 14 و 8 آذار إنما يكمن في النظرة إلى مفهوم الدولة، بما هو التمسك باتفاق الطائف والعيش المشترك والسلم الأهلي والعمل على اعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية، وهي الأسس التي دخلت على أساسها قوى الأكثرية في الحوار وعلى أساس منها أيضاَ تمضي في استكمال خطوات المصالحة الداخلية التي يواصلها النائب سعد الحريري بشجاعة ومسؤولية وأمانة.
وبسبب الاختلاف حول هذا المفهوم وعلى أساسه يستمر التوتر قائماً بالرغم من إنجاز بنود اتفاق الدوحة المتعلقة بانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية واستئناف الحوار الوطني، تقول الأوساط السياسية، وتضيف إن الاتفاق على مقومات الدولة المنشودة، أي تلك القادرة على رعاية مواطنيها، جماعات وأفراد، على أساس التكافؤ والتوازن، وعلى ضمان الاستقرار وصون السيادة وحصر السلاح في إطار القوى الشرعية مع اتفاق على آلية واضحة لتحرير ما تبقى من أراض محتلة، هو المدخل الأساس لعودة الانتظام الوطني من خلال إعادة الاعتبار للعملية الديموقراطية، وخصوصاً في ضوء الانتخابات النيابية المقبلة.
وبحسب هذه الأوساط فان إعادة الاعتبار لسلاح المقاومة، بوصفه سلاحاً موجّهاً ضد العدو الإسرائيلي بهدف حماية لبنان، تبدأ من كسر الصورة التي تركتها حوادث بيروت، والافادة من أجواء المصالحة والاقدام عليها بشجاعة وإقدام واعتراف ومراجعة لما جرى للافادة منه وتجاوزه، وبالتالي إن الاتفاق على الاستراتيجية الدفاعية من شأنه، الى تصحيح صورة المقاومة ودورها، فتح الطريق أمام مصالحة وطنية شاملة تمكّن من تدعيم قيام الدولة، وتشكل ضمانة لنزع فتيل التفجير المستمر ورادعاً للتهديدات الإسرائيلية.
تأسيساً على ذلك، فإن أولوية المرحلة الفاصلة عن جولة الحوار التالية وعن الانتخابات النيابية، بحسب هذه الأوساط، هي معالجة مسألتي الأمن والسلاح بالتوازي مع تأكيد قوى الأكثرية وحدتها، خطاباً وممارسة وتوجهات، في خوض الانتخابات المقبلة كجبهة سياسية متماسكة من خلال المحافظة على روحية 14 آذار وعدم التخلي عن هذه الامانة وفاء لدماء الشهداء وجماهير 14 آذار.