تقسيم الفتنة الكبرى!
كانت الاجواء السائدة بعد الزلزال الذي اصاب لبنان في 14-2-2005 وما تلاه من خروج مذل للقوات السورية ، واصطفاف جماعات " شكراً سوريا " وراء حزب الله والاحتماء به وبقدراته العسكرية ! كانت الاجواء تشدد يومها على ان هناك قراراً ايرانياً – سعودياً (غير معلن) يقضي بتحاشي الوصول الى الفتنة المذهبية الشيعية – السنية ، تخوفاً من امتداداتها في كل المنطقة وتداعياتها المخيفة والتي ستؤدي الى فرز مذهبي لم تجد الدولتان انه من المناسب السقوط فيه اقله في المرحلة الدقيقة التي تمر بها منطقة الشرق الاوسط … والخليج ايضاً .
وكلنا يتذكر الاجتماعات التي تمت في تلك المرحلة والتي هدفت الى تبريد الاجواء المحتقنة في لبنان ، واندفاع حزب الله (المرتبط عضوياً بإيران ) الى انجاز تفاهمات في الداخل اللبناني وعلى مستوى المنطقة تبعد عنه الصبغة الشيعية – الايرانية ، وتقربه من الاطياف المذهبية المتنوعة في لبنان ! وقد اكدت المعلومات يومها ان سوريا الساعية الى خلق اجواء الفتن والفوضى في لبنان ، تداركت التعجيل فيها بناءً على طلب ملح من حليفتها ايران وللأسباب الاستراتيجية الواردة اعلاه تحديداً !
وفي غزوة بيروت وما سبقها وتلاها ، بدا للمراقبين ان لبنان سقط في المحظور ! وانه ذاهب بإتجاه ما تجنبه طوال 3 سنوات ، الا ان مسارعة طهران الى دفع حزبها الالهي للموافقة على الذهاب الى الدوحة والضغط عليه هناك لتقديم التنازلات والسير في الحلّ المطروح ، اعاد الاسباب في اذهان المحلللين الى الخشية الايرانية المعهودة من الفتنة المذهبية التي تهدد بتدمير المشروع الايراني المفصلي على مستوى المنطقة كلها .
وبعد العودة من الدوحة وانجاز بنود الاتفاق الذي جرى توقيعه هناك ، والتحضير للشروع في بحث البند الوحيد الباقي وهو السلاح والاستراتيجية الدفاعية ، قدمت المؤشرات المتوفرة معطيات تحكم اللعبة الداخلية في لبنان اليوم ! اولها دون ادنى شك التأكيد ان حزب الله لا يريد ولا يرغب بالوصول الى وضع سلاحه ومشروعه الاقليمي على طاولة البحث لأن هذا سيؤدي حكماً (وبشبه اجماع لبناني) الى تأكيد ضرورة وضعه تحت سلطة القوى العسكرية الشرعية واعادة قراري الحرب والسلم الى المؤسسات الدستورية ، وتحاشياً للوصول الى هذا المنزلق المصيري (بالنسبة لايران وحزبها) يبدو في اجواء لبنان اليوم ان " موافقة ما " قد تمت على المشروع السوري القديم – الجديد القاضي بإشعال احداث امنية متفرقة في كل المناطق اللبنانية ، على ان تأتي في وقع صغير لا يخيف ! وان تشمل كل الطوائف والمذاهب ! وان تأخذ في طريقها استهداف المؤسسات الامنية والعسكرية !! وان تضرب على الاوتار المذهبية والطائفية ، وبالمختصر المفيد فإن عملية تقسيم للفتنة الكبرى تجري راهناً والمفروض ان تؤدي الى نفس النتائج التي يتوخاها المحور السوري – الايراني ، بفارق انها تتزامن مع مصالحات مناطقية تدور على مستوى جميع الاطراف ! وتوحي بأن الامرين منفصلين ويأتيان من مصدرين مختلفين ! بما يسمح بإتهام اسرائيل بعمليات الترهيب والاغتيال والتفجير ! فيما كل الدلائل تؤكد انهم وجهان لعملة واحدة !! وان ما عجز محور الشرّ عن اخذه بالجملة يجري العمل على تجزئته وصولاً الى المرامي والاهداف اياها وبفارق زمني لا يؤثر في المسار العام للاحداث الجارية في مختلف المناطق اللبنانية !!
ويبقى ان تجدد الاشتباكات في مناطق التوتر والتعرض للمؤسسات الشرعية والقاء القنابل ليلاً واغتيال الشيخ صالح العريضي وحادث بصرما التي افتعلته عناصر تابعة لسليمان فرنجيه ، وما سبق وسيأتي لاحقاً تندرج في نفس الاطار الهادف الى تقسيم الفتنة الكبرى الى فتن صغيرة متنقلة في كل الاماكن … وهذه توصل بدورها الى نفس الاهداف ولو على طريقة تنفيذ اخرى مختلفة في التفاصيل والمسارات !! .