استهدافات الأمن وعوامل الاضطراب
على مشارف جلسة الحوار لدى رئيس الجمهورية، تكاثفت الأحداث الأمنية متسبّبة بقتلى وجرحى، وخالطها قلق شديد لدى المواطنين، الذين ما عادوا يعرفون ماذا يصدّقون أو لا يُصدّقون. والواقع أن ذلك صار من معالم لبنان الجديد. ففي السابق، وعندما كان الاتفاق يجري على الحوار أو اللقاء كان ذلك يعتبر دليلاً على إرادة التهدئة والركون الى السلم. أما اليوم فإن الاضطراب يأتي من جهتين: من جهة الانقسام حتى داخل الصف الواحد، ومن جهة اختلاف الأولويات بين المحليين والإقليميين.
في الجانب الأول هناك تقديرات مختلفة للموضوع والأوضاع. والمعني بالموضوع الاستراتيجية الدفاعية وفوائد مناقشتها الآن، في ظل الأوضاع الحالية في المنطقة. فعلى أثر أحداث بيروت كان الحزب مُحرجاً بحيث اضطر للموافقة على الأمرين: أمر عدم العودة لاستخدام السلاح في الداخل، وأمر العودة للحوار لمناقشة قصة سلاحه تحت عنوان الاستراتيجية الدفاعية. وقد تغيّر الوضع الآن بحيث أمكن للسيد نصرالله في كلمة يوم مؤتمر الحوار أن يعود للإشادة بالدخول الى بيروت بالسلاح، وأن يُصرّ على توسيع المشاركة بالحوار من طريق استيعاب أنصار الحزب في جولات المؤتمر لأنهم ساعدوه في الانتصار! فتأملوا هذا السبب لتمثيل أُناس جُدد في الحوار!
كلام السيد نصرالله إذن أنه لا يريد الحديث عن سلاحه الآن. ولذلك أسقط إشارات المصالحة تجاه بيروت والسُنّة، ودعا لتوسيع المشاركة، وهو يعرف أن الآخرين لن يقبلوا، فيتوقف الحوار. وليس هذا فقط، فإن السيد نصرالله وجد نفسه في حاجة لدعم الجنرال عون في مواجهة وسائل الإعلام. الجنرال أظهر غيرة شديدة فاقت غيرة حزب الله نفسه على سُمعته بعد قتل الضابط الطيار سامر حنّا. ولذا فقد ادعى الجنرال على صحيفة "لوريون لوجور" لأن مصادرها أكدت لها أن قتل الضابط كان عمداً وقد اعتصم الصحافيون احتجاجاً على التعرّض لحرية الاعلام. وقال السيد نصرالله أنه يشارك الجنرال غضبه على الصحافة اللبنانية والعربية(!) وسيدّعي هو بدوره ولن يأبه للاعتصامات والمعتصمين!
بيد أن وجهة نظر الحزب في الحوار بخصوص السلاح شيء، والاضطراب الأمني شيء آخر. فقد تواترت الأحداث وتتالت، وبعكس السابق، سقط فيها قتلى وجرحى في بيصور والبقاع وبيروت والكورة.
وليس واضحاً من هو صاحب المصلحة في اغتيال صالح العريضي. لكن الذين ألقوا القنابل في بيروت، وأطلقوا النار في البقاع معروفون، وهم ليسوا من حزب الله، وقد كان بوسعه منعهم ولا شك، لكن التدخلات والتداخلات لا تكون محمودة في مثل هذه الأحوال. فالراجح أن المراد من طلال أرسلان ـ في حالة صالح العريضي ـ أن يكون أكثر انضباطاً ضمن الخط المعهود، فلا يقترب من وليد جنبلاط أكثر من اللازم، ولا يعتقد أن مظلة حزب الله تكفيه. وبعد أن هدأت بطرابلس، كان لا بد من فتح ساحة أخرى في البقاع، والتداخل فيه معروف بين المحلي والإقليمي منذ أيام الوصاية. وقد نفى الحزب أن تكون له علائق بأحداث القتل وإطلاق النار بتعلبايا وسعدنايل!
ما المقصود بالأحداث الأمنية هذه؟ هل المقصود القول أن الشقيقة ما تزال غير راضية؟ أم المقصود الضغط لعدم الحديث في السلاح؟ عدم الحديث في السلاح مطلوب، وقد عبّر عنه السيد نصرالله وعون وآخرون. والاضطراب الأمني لا يخدم هذا الهدف في شيء، بل يؤدي الى عكسه، لأنه يعني العودة لاستخدام السلاح في الداخل، وهو أمر مزعج جداً للبنانيين. ولذا ينبغي البحث في العامل الأول والنظر في مسألة الاستقطاب الحاصلة على المستوى الاقليمي والآخر الدولي. وبالأمس أعلنت سوريا عن إلغاء جولة المحادثات أو المفاوضات رقم (5) بطلب من إسرائيل. وقد أكد الرئيس الأسد للتلفزيون الإيراني أن التحالف بين سوريا وإيران وحزب الله قائم ومستمر. وهو لا يعتقد أن التفاوض مع إسرائيل يمكن أن يتسبّب بأي مشكلة، بل يعتقد أن المشكلة هي في التطرف بطرابلس!!
هل كُتبَ على اللبنانيين أن يبقوا وتبقى دماؤهم رهن ملفات غامضة، واستهدافات لا ندري أبعادها؟! هذا هو الظاهر، خصوصاً أن أحداً من السياسيين أو الأمنيين لا يملك الشجاعة للقول أن هذا العامل أو ذاك يُسهم في الفوضى والاضطراب.