
لماذا أصبح معيبا" أن تكون عونيا"؟
(الحلقة التاسعة)
عون الديمقراطي يقمع رفاقه الضباط ويُنزِلْ بهم أبشع أنواع التعذيب..
لم تكن تصرفات عون داخل المؤسسة العسكرية تتوافق والمناقبية ، كما أنها لم تكن تتلاءم والأصول المتبعة من قبل قادة الجيش منذ توّلي القائد الأول والمؤسس اللواء فؤاد شهاب ، وبشهادة ضباط خدموا مع عون وعرفوه ، أكدوا تجاوز الأخير لكل الأعراف والتقاليد المتبعة داخل المؤسسة العسكرية ، ولعلّ أبرزها على الإطلاق تخطيه الدائم لقادة الوحدات وتواصله المباشر مع صغار الضباط ، وهذا ما سبّب إحراجا" ، وفي بعض الأحيان " خربطة " داخل التركيبة المؤسساتية ، ولعلّ النقطة الأهم في بحثنا إنعدام قدرة عون وعدم تحليه بروح الديمقراطية حيث أنه لم يكن يسمع إلاّ صوته ، وعند سماعه لصوت يخالف رأيه كان يسارع الى قمعه بأساليبه المتنوعة .
تجربة العقيد أنطوان سعد أي اللواء سعد لاحقا" ، والنائب الحالي في البرلمان ..
ماذا يقول اللواء سعد عن تجربته مع ميشال عون ؟
معرفتي بالعماد عون تعود الى المدرسة الحربية ، حيث كنت أنا في السنة الأولى وهو في السنة الثالثة ، وكان مثله مثل باقي التلامذة الضباط ، لم يكن مميزا" ، أو أنه ظاهرة متميزة عن سائر التلامذة ، ومنذ تخرجه لم التقِ به إلاّ يوم تسلمت مركزي عام 1965 في بعلبك ، حيث كان عون في المدفعية وأنا في المشاة ، وكان عون قائد بطارية ، هكذا كانت التسمية ، وأنا كنت آمر سرية ، وعندما نلتقي طبعا" كنّا نتكلم في السياسة ، كان عون كتلويا" ، بينما أنا كنت شهابيا" ، لينقطع التواصل حتى عهد الرئيس الياس سركيس ، وكان عون يحضر الى مديرية المخابرات لزيارة بعض أصدقائه ومنهم فؤاد الأشقر ، وكان واضحا" على عون طموحه غير المخفي في حبّ الوصول الى قيادة الجيش ، ولعلّ هذا الطموح كان متوارثا" لدى معظم الضباط الموارنة ، ولكن عند عون كانت بارزة وظاهرة .
أمّا عن كيفية وصول عون الى قيادة الجيش ، لا يخفي اللواء سعد أنّ الوزير السوري عبد الحليم خدّام والذي كان حاضرا" لإجتماع مجلس الوزراء في بكفيا هو من طرح إسم الضابط ميشال عون ليتولى قيادة الجيش ،" وبحسب معلوماتي فإنّ الرئيس أمين الجميّل كان يؤيد توّلي العميد حبيب فارس للقيادة .."
إعتراضات الضابط سعد على سلوكية قائد الجيش كانت ظاهرة ، وبالتالي لم يُخفِ رأيه ، لا بل على العكس كان يجاهر بجنوح عون عن الخط الواجب إنتهاجه ، وهو في هذا الإطار ، صارحه خلال تقديمه له التعازي بعمّه والد زوجته ، حيث قال له حرفيا" : " يا جنرال ، فؤاد شهاب صار رئيس جمهورية لأنّو عِمِلْ قائد جيش .." ، فردّ عليه عون بسؤال : " ليش أنا مش قائد جيش ؟ " فأجابه العقيد سعد كلا ، أنتَ تحوّل الجيش الى ميليشيا.
وعن هذه الفكرة والقناعة لدى سعد ، يقول بأنّ عون دأب على مجالسة الضباط الصغار من رتب ما دون نقيب ، حيث كان يحادثهم بالسياسة وبأفكاره ، وهكذا لم يعد داخل المؤسسة من رتب وبالتالي لم يعد هناك تراتبية في الجيش ، حيث كان عون وعند طلبه لأمر معيّن يتوجه الى ضابط برتبة ملازم أو ملازم أول ، متخطيا" الضباط القادة ، متجاهلا" إيّاهم وكأنهم نكرة غير موجودين ، الأمر الذي عزّز قدرة وقوة صغار الضباط ، وهذا يعني على حساب الهرمية المؤسساتية ، وكأننا داخل ميليشيا وليس ضمن جيش نظامي..
نتيجة هذه التصرفات الخاطئة ، بدأ عدد من كبار الضباط يعبّرون عن سخطهم ورفضهم لهذا النهج الذي يتبعه عون، ومن هؤلاء نذكر على سبيل المثال لا الحصر العميد نايف الكلاّس ، العميد وليم مجلّي ، وغيرهم من الذين تجرأوا على إبداء رأيهم ، مع العلم أنّ كثيرين من الضباط كانوا معترضين على سلوكية الرجل ، إنما نظرا" لطبيعة الأنظمة العسكرية التي تحتّم على الضباط والعسكريين عدم الخوض في مثل هذه المسائل ، وبالتالي تنفيذ التعليمات والأوامر العسكرية من دون أي إعتراض أو تحفظ . وبعد أن شعر عون بأنّ بعض الضباط غير موافقين على نهجه، قام بتشكيل معظمهم وبالتالي نقلهم الى مراكز محددة بشكل أن يُبقي هؤلاء تحت ناظريْه ، كما ووضعهم في قطع لا يمكنهم خلالها من إحداث أي خطر عليه ، فالعقيد سعد مثلا" نقله الى التخطيط وهكذا يبقى تحت المراقبة المباشرة ، وهذا كان نصيب كلّ الضباط الذين شكك عون بولائهم لشخصه وليس للمؤسسة.
لم يخفِ الضابط سعد إقتناعه بأنّ حرب الشرقية ، أي حرب الإلغاء إنما أعلنها عون مسايرة" للسوريين الذين وعدوه بإيصاله الى الرئاسة في حال ضرب القوات اللبنانية ، حيث بدأ بحملته باكرا" عبر تكثيف لقاءاته مع الضباط الصغار حيث عمل على إستنهاضهم وتوجيجههم بشكل مباشر على طريق التعبئة لليوم المنشود ، بمعنى بدأ الرجل عمله الدؤوب تحضيرا" لحربه على القوات ، ولكن لم يُقدم على خطوته هذه من دون تحضير ، بل قام بتحضير أرضية العسكر ، بأنْ شحنهم جيدا" وعبّـأهم بشكل أنه يوم سيعلن حربه على القوات يكون هؤلاء جاهزون للقتال بشراسة ومن دون إبداء أي إعتراضات أو تلكؤ ..
إذا" العائق أمام وصول عون الى رئاسة الجمهورية كانت القوات اللبنانية ، هذا ما زرعه السوريين لديه بشكل أنه أصبح أمام خيار لا ثاني له ، ألآ وهو ضرورة ضرب القوات اللبنانية وإلغائها..
كان بعض الضباط الذين يجرؤون على مواجهة عون يبعثون له برسائل مفادها ، أترك السياسة وحافظ على المؤسسة العسكرية ، وقد تنامت هذه النصيحة ـ المعادلة خاصة بعد توليه لرئاسة الحكومة الانتقالية ، على إعتبار أنه بإنتهاجه لسياسته تلك سوف نصل الى إنقسام الجيش ، وهو بالفعل ما حصل لاحقا" ، حيث إنقسم الجيش، واحد بقيادة عون وآخر في المنطقة الغربية بقيادة اللواء سامي الخطيب الذي عينته حكومة الرءيس الحص ، ومن ثم بقيادة إميل لحود ، وهكذا صار عندنا جيشان ..
رأي هؤلاء الضباط ، ونصيحتهم له أن يبقى قائدا" للجيش ، وأن يُبقي على وحدة الجيش ، وأن يحافظ على المؤسسة ، وهكذا في حال حافظ على الجيش وأبقاه موّحدا" ، يمكن أن يصل الى الرئاسة ، وحدها هذه المعادلة كانت راسخة في عقول ضباط كثر ، إلاّ أنّ عون كان دائم الإمتعاض والإنزعاج من هؤلاء الضباط ، وهو تدّرج في الانتقام منهم ، حتى وصل الى حدّ إعتقال بعضهم والزجّ بهم في السجون حيث مورس بحقهم أبشع ضروب التعذيب والاهانات ، بشكل لا يليق أبدا" بالمعاملة التي تعوّد عليها الضباط حتى في حال توقيفهم ، إلاّ أنّ عون كسر كلّ الأعراف والتقاليد ، ولم يعد يرى أمامه سوى طموحه وجموحه الى السلطة ، وكلّ من يراه أنه سيقف في وجه هذا الطموح كان مصيره السجن ، مهما كانت رتبته .
وهو كان دائما" يرسل إشارات ورسائل الى الضباط المعترضين لكي يصمتوا وبأن لا يتكلموا بما يفكرون به تجاهه ، على إعتبار أنه كان يخاف إنتشار هذه العدوى بسرعة لتصبح ككرة الثلج ، ولمّا لم يلتزم بعض الضباط بما فرضه عليهم عون من صمت وعدم الإعلان عن آرائهم ، زجّ بهم في السجون..
فالعقيد أنطوان سعد مثلا" تمّ وضعه تحت المراقبة المباشرة ، من قبل جهاز المخابرات الذي لم يعد تابعا" للجيش بقدر ما كان جهازا" تابعا" لشخص ميشال عون.
وقبيل تعيين اميل لحود قائدا" للجيش من قبل حكومة الشطر الآخر من بيروت بعد إنتخاب الياس الهراوي رئيسا" ، تمّ طرح ثلاثة أسماء لتولي القيادة ، حيث إضافة الى لحود كان إسمي العميدين فهيم الحاج وفايز حرب .
الملفت أنّ ميشال عون وبحسب بعض المعلومات كان يوّد تعيين اميل لحود قائدا" للجيش ، كما أنه سعى هو شخصيا" في فترة من الفترات الى طرح هذا التعيين خلال توّليه لرئاسة الحكومة الانتقالية ، وما عزّز هذه القناعة والمعلومات ، تسهيله لانتقال العميد اميل لحود من الشرقية الى الغربية وعبر معبر المتحف حيث طلب من الحاجز هناك التابع له تسهيل مرور العميد لحود ، إذا" ؟
جعجع يكرر أمام بعض الضباط عن تهرّبه من المواجهة المسيحية ـ المسيحية!!
ينقل ضباط إلتقوا قائد القوات اللبنانية سمير جعجع في مرحلة سبقت حرب عون الإلغائية ، أنّ الحكيم كان دائم الحرص على عدم إنزلاق المناطق المسيحية في أتون لعبة الدم والبارود ، والتي كان عون يتحضّر لها ، وكان هؤلاء الضباط كلما أزّفوا الى جعجع معلومات عن إحتمال شنّ حرب عونية على القوات ، كان جعجع دائم الحرص على أنه لن يقوم بأي خطوة تساهم أو تساعد في هذا الخطأ التاريخي ، لن أقاتل مسيحي ، ولا أريد أن يحصل قتال مسيحي ـ مسيحي ، ويتابع الحكيم أمام بعض الضباط ، ويقول أنه يتراجع كلّ يوم ليس خوفا" أو عدم قدرة على العكس إنما تجنّبا" من أي مواجهة في الشارع المسيحي ، كلّ يوم يتم إعتقال عناصر من القوات ، ويعودون بعد الإفراج عنهم منهكين من الضرب ، وعلى الرغم من ذلك نُبقي على هدوئنا ولا نُستفز حفاظاط على وحدة المسيحيين ، ومنعا" لحدوث صدام مسيحي ـ مسيحي .
بتاريخ 2/1/1990 ، بدأت حملة إعتقالات الضباط في الجيش الذين كانوا ينتقدون حركية عون وسلوكيته داخل المؤسسة العسكرية ، كما وخياراته التي ستؤدي في النهاية الى الهاوية ، يومها إعتُقل العقيد أنطوان سعد ، الذي تمّ إقتياده من منزله الى سجن وزارة الدفاع ، حيث وصل الى منزله أحد ضباط فوج المكافحة المقربين جدا" من عون وطلب الى العقيد سعد مرافقته الى القيادة ، حيث كان البناء حيث يسكن سعد مطوّقا" ، ليبلغه الضابط بأنّ بحوزته أوامر صادرة عن دولة الرئيس بإعتقاله ، وعندما سأله سعد عما إذا كان مزودا" بمذكرة من القضاء ، فأجابه الضابط بحوزتي أمر من دولة الرئيس وهو أهم من القضاء ، وشعر العقيد سعد أنه في حال لن يمتثل لأوامر النقيب الذي حضر لإعتقاله فإنه سيتعرّض للبهدلة .. وبالفعل تمّ إصطحابه الى السجن ، لتبدأ معه رحلة الألف ميل ، رحلة التأديب والتعذيب والتأطير والإهانات ، فقط لأنه غير موافق على سياسة عون التي إعتبرها سعد وغيره كثر من الضباط ستؤدي بالنهاية الى الخراب والدمار ، وبالتالي الى هلاك المؤسسة العسكرية.
تمّ إقتياد العقيد سعد عبر دورية عسكرية مدجّجة بالسلاح ، بداية أُدخل الى مقرّ قيادة فوج المكافحة بقيادة المقدّم فايز كرم ، ليعلم سعد عندها أنّ حملة الإعتقالات طالت العديد من الضباط ، وفي مركز المكافحة كان تمّ إحتجاز العميد وليم مليّس والعميد يوسف الطحّان ، ومن ثمّ تمّ وضعهم في زنزانات الوزارة تحت الأرض ، في اليوم الأوّل لم يتم إستجواب الضباط وكان يوم أحد ، في اليوم الثاني بدأت التحقيقات ، والملفت أنّ أسلوب التحقيق كان مخالفا" ومناقضا" لكلّ القوانين والأصول المتبعة داخل المؤسسة العسكرية ، وتحديدا" مع الضباط ، حيث عُصبت أعين الضباط ، والأيادي مكبّلة بالسلاسل الحديدية أي الكلبشات ، وهو أمر لم تعتده وزارة الدفاع الوطني ، طوال تاريخ التحقيقات مع ضباط الجيش اللبناني .
وقائع بعض التحقيقات..
المحقق: يا عقيد أنا عميد رح حقق معك ، اذا تعاونت معنا تسهّل علينا الأمور ، واذا لم تتعاون معنا بتعرف شو بيصير فيك .
العقيد سعد : إذا شي أنا عاملو بقول ، إنما ما تطلب مني قول إشيا مش مظبوطا .
المحقق : أنت رجل مخابرات قوي .
العقيد سعد : لأنني قوي منع عون عني الترقية كما فعل مع كل الضباط الذين لم يوافقوه آراؤه
المحقق: أنتَ متهم بالتحضير لإنقلاب على دولة الرئيس العماد ميشال عون بالإتفاق مع القوات والبطرك صفير؟
العقيد سعد : لا أعرف في القوات إلاّ شخص واحد إسمه نادر سكّر، هذا هو الشخص الوحيد الذي أعرفه ، ومعرفتي به تعود الى يوم جنازة النائب لويس أبو شرف ، والذي عرّفني عليه هو جان عبيد ، والعلاقة التي تطورت كانت مجرد صداقة شخصية ليس إلاّ ، أمّا بالنسبة للبطريرك صفير فأنا لا أعرفه شخصيا" ، أعرفه فقط من خلال التلفزيون ، ومن جهة أخرى ، أنا موضوع بالتصرّف ، أي ليس تحت أمرتي أحد من العسكريين وبالتالي كيف بإمكاني تحريك جندي واحد في الجيش وأنا بتصرف القيادة ، ولا عسكري معي سوى سائقي الخاص ، فهل سأقوم بالإنقلاب بواسطة ساقي ؟
المحقق : أنت متهم أيضا" بأنك أقدمت على القيام بضغوطات على العراق بواسطة الرئيس صدّام حسين لوقف الدعم الذي كان يؤمنه للعماد عون ولكي تدعم العراق إميل لحود ؟
العقيد سعد : هل منطقي أن صدام حسين الذي لا يردّ على أحد بما فيها دول كبرى ، أن يعمل ما أطلبه منه أنا ؟
المحقق : أنت متهم بأنك إلتقيت بجوني عبده الذي كلّـفك بمهمات لدعم الياس الهراوي ؟
العقيد سعد : أنا لم ألتقِ بالسفير جوني عبده ، وهو لم يتصل بي ، وكلّ هذه الاتهامات باطلة وغير صحيحة على الإطلاق ، أمّا إذا كنتم ترغبون بتلفيق وتركيب هذه القصص فافعلوا ما شئتم !!
أكتبوا ما شئتم ، وأنا أوقّع لكم ، أنتم اليوم في السلطة والقوة معكم …
وهكـذا كانت مرحلة التحقيق صبحا" وظهرا" وبعد الظهر وفي المساء ، وفي كلّ المراحل ، الأعين معصوبة واليدين مكبلتين بالأغلال ، وقد تبيّن لاحقا" للعقيد سعد أنّ ذاك المحقق الذي زعم أنه برتية عميد لم يكن سوى ضابط برتبة نقيب ، ولكن كون قانون الدفاع العسكري يفرض خلال التحقيق مع ضابط أن يكون المحقق بنفس الرتبة أو أعلى منه رتبة ، وهذه أيضا" مخالفة فاضحة . ولكن العقيد سعد لم يوقع على أية إفادة ، وطوال فترة التحقيق كانت أصوات التعذيب والاهانات والصريخ تملأ المكان ، وكلّها كانت إهانات وسباب على القوات وعلى سمير جعجع ، خاصة خلال ساعات الليل ، وكان البعض يُسمع العقيد سعد أن دوره آت في القريب العاجل ، وسيلقى مصير هؤلاء الذين كان صراخهم لا يتوقف طوال ساعات الليل والنهار .
والغريب الكيل الهائل من الاهانات والكلمات النابية التي كانت تُلقى على العقيد سعد بشكل لم يعتد عليه الجيش ، وأقول مجددا" خاصة أثناء التحقيقات مع ضباط في الجيش اللبناني .
وفي كلّ أطوار ومراحل التحقيقات البعيدة كليا" عن الأصول والقوانين ، كان يلّح العقيد سعد على المحققين كي يتم تحويله الى القضاء العسكري ليحاكَم ، أما أن تتم معاملته بهذا الشكل فهذا أمر مرفوض ، وطالما أنه متهم ولديهم إثباتات ، فليحوّل الى المحاكمة ، والمعاملة لا تكون بهذا الشكل الميليشيوي ، فحتى في الدول والأنظمة الدكتاتورية لا يعامَل الضباط بهذا الشكل ، ويقول العقيد سعد ، نحن ضباط ، وخدمنا سنوات طويلة في المخابرات ، ولم نعامل أي ضابط بهذا الشكل ، حتّى زمن إنقلاب القوميين ، وخلال توقيف بعض الضباط ، تمّ وضعهم في غرف بحراسة عسكرية ، وكان يتم تأمين كافة مستلزماتهم .
الملفت في تلك التحقيقات أن الجنرال عون كان يتصل بشكل دوري لدرجة أنه في فترة من المراحل كان يتصل كل ربع ساعة تقريبا" ليسأل عن مجرى التحقيقات ، وكأنه كان خائفا" لا بل مرتعبا" من تصرفاته غير الجائزة بحق ضباط ، ذنبهم الوحيد أنهم لم يسايروه ولم يماشوه بسياسته الهوجاء .
وعندما إكتشف العقيد سعد هوية المحقق ، وواجهه بأنه تعرّف عليه ، ليتبيّن أنه صديق مقرّب ، وبأنّ عون إختاره شخصيا" لهذه المهمة ، وهنا يمكن أن نحلل تصرفات عون لهذه الناحية ، كما كلّ تصرفاته ، وعندما حاول المحقق نكران هويته الحقيقية ، واجهه العقيد أكثر وأكثر ، مما دفعه الى القول ، نعم أنا فلان ، ولكن أليس أفضل أن أكون أنا وليس أحد سواي ؟ عندها علم العقيد سعد أن سواه كان سيتصرف بشكل أبشع وأكثر إهانة ، تماما" كما فعلوا بالعميد يوسف الطحّان الذي تمّ ضربه وتعذيبه بشكل غير لائق ، لدرجة أنه أصيب بعاهات جسدية حيث أُعطبت كليتيه نتيجة الضرب .
أمّا عن الأكل ، فكانت البطاطا المسلوقة الغذاء الوحيد صباحا" وظهرا" ومساء" ، ولفترة شهر مُنعت عنهم الملابس الداخلية منها والخارجية ، ولم يقم بزيارة العقيد سعد سوى العميد الياس خليل نائب رئيس الأركان للتخطيط ، كون سعد كان يخدم في التخطيط ، وهو لم يستطع القيام بشيء ، سوى الإطمئنان ، وأبلغه سوء المعاملة ، والتجاوزات الفاضحة للقوانين ، وخرق الأصول المعمول بها في التحقيقات مع الضباط .
بعد مضي الشهر تمّ نقل بعض الضباط الى سجن رومية ، ومنهم العقيد سعد ، والعقيد اميل حبيقة ، والوجبة إستمرت البطاطا المسلوقة ، والملفت أنه تمّ وضع الضباط في آخر طابق ، والقذائف كانت تنهمر بشكل جنوني ، لدرجة أنّ العسكريين أجلوا الطابق حيث كان الموقوفين ، لينزلوا الى الطوابق السفلية ، ولكن المفارقة أنّ الضباط أبقوهم في آخر طابق ، وكان بالإمكان تعرّض المكان للقصف وبالتالي لولا القدرة الالهية لكان سقط هؤلاء قتلى ، وكأنه كان مطلوبا" أن يحصل هذا الأمر ، وهكذا يسهل على عون إتهام القوات بأنهم من قتلوا الضباط ، كون معركة الإلغاء كانت قد بدأت . ويتذكّر الضباط عن تلك الحقبة أنّ زوجات بعضهم كتبن بعض الرسائل الى اميل لحود الذي كان تسلّم الجيش في المقلب الآخر ، حيث شرحنّ له ما يتعرّض له أزواجهم ، ولكن إتضحّ للضباط لاحقا" أن إميل لحود لم يكلّف نفسه حتى عناء قراءة هذه المكاتيب ، ولعلّه كان يرمي بها في سلّة المهملات.
قبل مضي الثمانين يوما" على التوقيف ، بثماني وأربعين ساعة ، تمّ تحويل الضباط الموقوفين الى المحكمة العسكرية ، كما وإحالتهم الى المجلس التأديبي الذي تعثرت إنطلاقته بسبب رفض معظم الضباط المشاركة فيه ، وقد حضر الى مبنى توقيفهم القاضيين الياس موسى وفوزي داغر حيث بدأت من جديد مرحلة التحقيقات ، ويذكر عدد من الضباط لباقة وحسن معاملة العقيد عادل ساسين الذي كان لطيفا" معهم ويتعامل بأخلاقية .
وكان القضاة محرجون وقد أفهموا الضباط أنهم مضطرين للقيام بما يقومون به ولو على غير إقتناع .
ونتيجة المعاملة السيئة ،حاول العقيد سعد إرسال بعض الرسائل لعدد من الجهات المحلية والدولية ، يشرح فيها سوء المعاملة ، ويشبّه المعتقل بسجن عتليت الاسرائيلي ، ولكن العقيد عادل ساسين كشف أمر الرسائل ولكنه لم يسلّمها الى أحد وقد أخفى أمرها حتّى لا يتعرّض الضباط لمزيد من الضغط .
أفرج عون عن العقيد إميل حبيقة بطلب من الياس حبيقة حيث كانت الخدمات المتبادلة بين الطرفين ، وقد تدّخل لاحقا" السفير الفرنسي رينيه آلآ لكي يفرج عون عن الضباط .
أما عن المحكمة العسكرية والمجلس التأديبي فذهبا مع الريح ، ومع إشتداد وطأة المعارك داخل المناطق المسيحية ، بدأت تطفو على سطح المؤسسة إعتراضات كثيرة ومنهم آثر ترك منطقة نفوذ عون بإتجاه المناطق الأخرى.
وعن دخول العسكر السوري الى وزارة الدفاع الوطني ، يأسف الضباط لسرقة تاريخ لبنان الذي كان في الوزارة، وكيف أنّ اميل لحود لم يصل الى وزارة الدفاع إلاّ بعد ثماني وأربعين ساعة مما سمح للسوريين بأخذ كلّ شيء.
كما يتساءل الضباط كيف أن السوريين أعادوا الضباط المعتقلين القريبين من ميشال عون ، ولم يعيدوا باقي المعتقلين ، وهذه أسئلة تبقى برسم الجواب عليها من قبل عون شخصيا" ومن يؤيده حتى الساعة.
وعن الضباط الذين سقطوا في كلّ المعارك التي لم تقدّم للوطن سوى الويلات والدمار والخراب ، يسأل معظمهم ماذا فعل ميشال عون بنا ؟
وفي سلسلة تناقضات ميشال عون بين الأمس واليوم ، لا بدّ من تذكير اللبنانيين ببعض مآثره وتحديدا" على مستوى دور الجيش ، فهو في أمر اليوم رقم (44) ورد ما حرفيته :
الجمهورية اللبنانية
وزارة الدفاع الوطني
قيادة الجيش
أركان الجيش للعديد
رقم 13281/ع.د/م.م
تصنيف 242 ـ 1
أيها العسكريون،
(… )لا بدّ أن يعود للجيش دوره الطبيعي عاجلا" كان ذلك أم آجلا" ، ذلك أن كل ما وجد على هذه الأرض من قوى أمر واقع لا يمكن أن يكون بديلا" من الجيش الوطني الذي وحده يحمي الوطن وبوجوده فقط تصان حرية المواطن وحقوقه.
المرسل اليهم
تعميم رقم واحد
عاش الجيش
عاش لبنان
اليرزة في 31/7/1985
العماد عون قائد الجيش
وفي أمر اليوم رقم (64) ورد ما حرفيته :
الجمهورية اللبنانية
وزارة الدفاع الوطني
أركان الجيش للعديد
رقم 9640/ع.د/
تصنيف 242 ـ 1
أيها العسكريون
… في غابات الأسلحة غير الشرعية التي تمزّق أرض الوطن وتتقاسم إرادة الشعب وقراراته وخياراته ، وتعوق مسيرة التحرير ، ، يتجلى سلاحكم شرعة وشريعة .
فلا أمن سوى الأمن الذي توفره بندقيتكم ، لأن السلاح غير الشرعي يفترس نفسه وبيئته ، وشتان شتان ما بين بندقية الطمأنينة والبندقية المرهبة ، وما بين أمن آمن للمواطن وأمن كامن له .
المرسل اليهم:
تعميم رقم واحد
عاش الجيش
عاش لبنان
اليرزة في 31/7/1986
العماد عون قائد الجيش
يصف أحد الضباط المعترضين على منهجية عون في الجيش تصرفاته بتلك المعتمدة في الدكتاتوريات وجمهوريات الموز ،فحتى بالنسبة للترقيات كانت مزاجية بالنسبة له ، وهو كان يعاقب ويعاتب الضباط الذين يخالفوه رأيه ، فالكفاءة بالنسبة له كانت مدى وحجم ولاء الضابط له ، لشخصه ، وبسؤال أحد الضباط الذين إعتقلهم عون ، اذا كانت معاملة ضباط الجيش على هذا الشكل ، كيف كانت إذا" معاملة الموقوفين من القوات اللبنانية ؟
لم تكن هناك سوى لغة واحدة ، وأسلوب واحد ، ضرب وتعذيب وإهانات وسباب …
في الحلقة العاشرة : عـون عاشق الإعلام وعدوه اللدود
