الحركة الاستقلالية بين الأرض المتحركة والحوار الوطني
بات واضحا ان ثمة سباقاً محموماً بين الحوار والمصالحات، والتفجيرات المتنقلة في جميع المناطق بلا استثناء. وان استمرار الحالة اللاطبيعية التي نشأت عن غزوات بيروت والمناطق يزيد منسوب التوتر، وخصوصا ان الجهة الغازية تعتبر ان ما قامت به بتحويلها السلاح نحو صدور اللبنانيين العُزّل كان مبررا لحماية سلاح لا يزال معظم اللبنانيين يعترضون على استمراره متفلتا من كل رقابة، وسيطرة شرعية وقرار وطني جامع. من هنا شعور قواعد شعبية واسعة في كل لبنان – وهي بالتحديد القواعد الاستقلالية – ان الهجوم على فكرة الاستقلال، وفكرة الدولة، ومنطق الشرعية لا يزال قائماً على قدم وساق، وبدل ان يتوقف مع توقيع اتفاق الدوحة، وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وتشكيل حكومة متنوعة، يتجه صوب التوسع ميدانياً، وعلى حساب الغالبية اللبنانية التي آمنت وما فتئت تؤمن بأن لا قيامة للبنان من ازماته إلا بالعودة الى الدولة، والخضوع لمنطق الشرعية الوطنية حيث لا غلبة لفريق على آخر، ولا نزعة توسعية من فئة على بقية الفئات على النحو الحاصل راهنا.
ولعل أخطر ما في الواقع الحالي ان يبقى الاستقرار هشا كما هو الآن، وان تبقى الارض تغلي تحت اقدام الجميع. من هنا ضرورة التنبه الى ان الحوار الذي جرى تأجيل اولى جلساته العملية الى الخامس من تشرين الثاني، فضلا عن المصالحات الميدانية التي حصلت او يمكن ان تحصل في المدى المنظور، لا يقدمان الحل الامثل بل على النقيض تماماً لأن التوافقات التي تتم من خارج البحث الحقيقي في صراع الثوابت، وصراع الخيارات، وبالاخص الصراع على طبيعة المجتمع اللبناني يبقي النار مشتعلة ولا يقي لبنان شرور الاهتزازات الاقليمية المقبلة. وقد تأتي هذه خطيرة الى حد يمكن ان تجعل من لبنان حلبة من حلبات النزاع العسكري المحتمل حول برنامج نووي ايراني لا ناقة للبنان فيه ولا جمل!
المهم هنا ان تستجمع القوى الاستقلالية نفسها بالعودة الى الاصول عبر التمسك بالمبادىء التي قامت على اساسها، لكونها المشروع الوحيد الذي يقدم حلا تاريخيا للبنان الكيان يحول دون انفجاره من الداخل. تلك هي مسؤولية القادة الاستقلاليين في هذه المرحلة التي يشعرون فيها بثقل الضغط الذي يمارس عليهم. فالمشروع الاستقلالي الذي تعرض لأكبر حملة ارهابية خارجية – داخلية يمكنه الصمود والنجاح، ما لم تتغير وجهة البوصلة الاساسية. فالقواعد الشعبية الاستقلالية التي دعمت المشروع وتدعمه، وإن اقتنعت بأهمية تحقيق المصالحات مع الفريق الآخر، تبقى خائفة من ان تأتي تلك المصالحات المفترض انها ميدانية على حساب فكرة النظام، والشرعية، والكيان ككل.
حيال هذا الواقع لا بد من بعض الملاحظات برسم القادة الاستقلاليين:
اولاً – ان التيار الاستقلالي لم تتراجع شعبيته، بل على النقيض، فالقوة لم تنل من اقتناعات الناس الذين قاوموا الوصاية في اصعب الظروف.
ثانياً – ان المصالحات مطلوبة، وكذلك الحوار الوطني برعاية الرئيس ميشال سليمان الذي يمثل عاملا ايجابيا اقله لخفض منسوب التوتر، ولكن لا يجوز لاي مصالحة او حوار ان يأتيا على حساب مبادئ ثورة الارز او الفكرة الاسقلالية اياً تكن الظروف والتحديات. فما من احد في الحركة الاستقلالية يملك حق التنازل أو حق الاستسلام امام منطق قوة كانت وستبقى عابرة مهما امتلكت اليوم من وسائل الترغيب والترهيب، ومهما استقوت على بقية اللبنانيين بالخارج المتلهف الى الدم! فلا تفويض شعبيا لأحد بتسليم لبنان الكيان الى اي حالة لا شرعية.
ثالثاً – بناء على ما تقدم، وباعتبار ان لب الازمة يكمن في اصرار فئة على امتلاك السلاح عنوة، وعلى بناء دويلة على حساب الدولة، وتوظيف لبنان بأسره في اطار مشروع اقليمي توسّعي مُغامِر، وما لم تتمكن القوى الاستقلالية من ايجاد حل لسلاح خارج على الشرعية، وعلى الإطار الوطني الجامع، فإنها ملزمة عدم منح شرعية يفتقدها ذلك السلاح والمشروع. هنا لا بد من امتشاق سلاح الموقف ردا على قوة السلاح!
رابعاً – الخوف كل الخوف ان يدب الخلاف في التيار الاستقلالي مع اقتراب موعد الانتخابات، لذا يتعين التفكير في ان مصير لبنان الكيان هو الذي يقف على المحك وليس المواقع الانتخابية المحلية. فإذا ذهبت قوى 14 آذار الى الانتخابات مشتتة ومضعضعة، فإنها تكون بذلك سلّمت لبنان الكيان والنظام ونمط الحياة لقمة سائغة الى مشروع الهيمنة المزدوج خارجيا وداخليا.
خلاصة القول ان المصالحات، ومعها الحوار، مرحّب بهما. ولكن من واجبات الاستقلاليين العودة الى الاصول، والثبات بإصرار عند المبادئ التي من اجلها سار خلفهم ملايين اللبنانيين في الداخل والانتشار على حد سواء ولم تخفهم لا التهديدات ولا الاغتيالات، ولا الاعتداءات او الغزوات…
هذا عهدنا الذي يجب ان يكون في يوم نتذكر فيه انطوان غانم وسائر شهداء الاستقلال!