يوم الشهادة والشهداء
غداً يوم آخر.
فيه يلتقي التاريخ بالوجوه الحبيبة على مدى اكثر من 1300 عام ، هي عمر المقاومة اللبنانية الضاربة جذورها في هذه الارض المقدسة والتي افتدتها في كل حقبات الماضي البعيد والقريب بالنضال والعرق والدم حتى الشهادة كي نبقى ويبقى لبنان ويستمر …
غداً نستحضر البطريرك القديس المقاوم يوحنا مارون ، اول الابطال ، ومعه سعيد الشنتيري ، ويوسف بك كرم ، وطانيوس شاهين ، وينضم اليهم ايضاً : كميل شمعون وبيار الجميل وفؤاد مالك وشربل القسيس وفؤاد افرام البستاني ، ومعهم الرئيس الشهيد بشير ، وفي حضرتهم جميعاً نقيم قداساً للرفاق الشهداء ، وعلى عبق البخور المقدس معاً نصلي للبنان .
غداً يوم آخر .
نتذكر فيه كل الاحبة اللذين استشهدوا ، والمعوقين معنا وبيننا ، ويمر الماضي في البال كأنه الامس القريب الذي عبر ، وغداً نسمع اصوات اجراس الكنائس تقرع ترنيماً ونعرف اننا في الطريق القويم ، واننا ما زلنا احراراً ، وان شواهد قبور الشهداء هي المنارات المضيئة التي تهدي المسيرة وتقودها في الوعر وتسدد خطاها ، وغداً نتذكر العهد والوعد ونتذكر ان الرب يسوع علمنا : " انا هو الطريق والقيامة والحياة من آمن بي وان مات فسيحيا " …
غداً يحضر بيننا الارجوان ، يلّون العيون والقامات والساحات والكلمات ، ويعيد الى البال ذكرى اللذين سقطوا دفاعاً عن لبنان ، وترتجف القلوب وهي تعبر المسافات البعيدة وتسترجع المواقف والاماكن الحميمة ، ونتذكر لحظات الفرح وساعات التعب ، وغداً نقطع كل المسافات بين قنات والجبل بسرعة البرق والريح ، وتعود بنا الذاكرة الى دير القمر وزحله وشرق صيدا والدامور والاشرفية وعين الرمانة ، ونجمع القمر والشمس والثلج وشاطئ البحر ونرسم لبنان الذي عصى على الفاتحين وهزمهم … واخرجهم تاركين وراءهم صفحات سوداء في تاريخه الابيض الناصع .
غداً نخالف ما علمنا قبل عشرين عاماً (مرة واحدة استثنائية ) ولا نبكي خلف ابواب مغلقة ، وعلى الرغم من معرفتنا بأن الشهادة ملازمة لمسيحيتنا ، فعلى رؤوس الاشهاد وامام رهبة الايام المنصرمة وقسوتها ، وعند اقدام سيدة لبنان ، نرسم الخط الجامع بين ما مضى وما هو آتِ ونذرف دموعاً حارة ونشبك الايدي ونقف مرة اخرى بعد وقفة رجل واحد وبصوت واحد نهتف : " ابانا الذي في السموات " .
غداً تقترب شفاهنا اكثر بعد من آذان السامعين في السماء ، وغداً نرنم بفرح ونصلي بخشوع ، ونكتب عهداً جديداً ونطبع وعداً آخر ، ونفتح في التاريخ فتحاً جديداً ، وعند آخر سطر نرسم بالدم اسم آخر الشهداء " بيار اسحق " وقد كان مقرراً ان يشاركنا الذبيحة على الارض فاختارت العناية ان يكون مع الابرار في دار الخلود .
في يوم الرب غداً وبعد الذبيحة الالهية ، نستمع الى كلماته ونتابع عيونه الباحثة في كل الوجوه الاليفة ، غداً يعرفنا واحداً واحداً ويأخذ الصغار على شبهة سيماء الآباء … وينادي هؤلاء بأسمائهم .
غداً نسمع صوته ونعرفه فقد حفظناه عن ظهر قلب ورسمنا له في القلوب والعقول المكان الاول ، وهو يجدد لنا الطريق ، ونحن نجدد له البيعة ، ونضع نقطة على سطر 30 عاماً مضت ونرسم معه سطور الايام المقبلة ، ومعه لا تعرف القلوب الا الوداعة والامن والامان .
غداً نلتقي جميعاً في الموعد المحدد ولا يغيب منا احد ، الا من كان على سفر بعيد … او بعيد . وفي آخر النهار نضرب موعداً جديداً آخر ، وفي انتظاره " لا نخاف الذي يقتل الجسد بل من الذي يقتل النفس " نخاف وعنه نتاورى .
غداً نستعيد من الماضي الوجوه والهامات ومعه نردد كما في كل المحطات منذ كنا وحتى اليوم : " لتكن مشيئتك في السماء كما على الارض " وبحسب مشيئته نستمر دون خوف او وجل … او تردد او تراجع ، الى ان يقضي الله امراً كان " مفعولاً " او سلاماً للبنان وقد طال انتظارنا ونحن نسأل الخالق سلاماً منه لوطننا الحبيب نطلب .