المطران أبو جودة: لتعزيز مناعة لبنان الداخلية من خلال المصالحة الشاملة
دعا النائب البطريركي العام المطران رولان أبو جودة خلال تمثيله البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في القداس السنوي لشهداء المقاومة الللبنانية، دعا الجميع إلى مصالحة عامة، جامعة، وشاملة، كما دعا إلى تجديد الثقة بلبنان الذي يتعرّض لاخترقات الارهاب و لخضّات داخلية، بين طوائفه والمكونات، ولتراكم الأسلحة، ولتضارب المشروعات السياسية والأمنية على أرضه، لافتاً إلى انه على الرغم من ربطه بالنزاعات الاقليمية، ومن تعثر تطبيق قرارات الأمم المتحدة فهو لا يملك طريقا" للخلاص سوى تعزيز مناعته الداخلية بأزاء الاضطربات الاقليمية.
نص كلمة سيادة المطران رولان أبو جوده، النائب البطريركي العام، في مناسبة احياء الذكرى السنوية لشهداء المقاومة اللبنانية في 21 ايلول 2008 ، الساعة 12 ظهراً في الملعب البلدي – جونيه.
مقدمة
1- دعا الدكتور سمير جعجع والسيدة عقيلته، باسم القوات اللبنانية، الى المشاركة في القداس السنوي، الذي يحتفل به، في مثل هذا الوقت من كل سنة، لراحة أنفس شهداء المقاومة اللبنانية، برعاية صاحب الغبطة والنيافة، الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ، بطريرك انطاكية وسائر المشرق ، الكلي الطوبى ، فشرفني السيد البطريرك اذ كلّفني أن أحتفل بهذا القداس بالنيابة عنه وأن أنقل الى أهالي الشهداء و اليكم جميعا تعازيه الأبوية، فيما يرافقنا بالصلاة لراحة أنفسهم من مقرّه الشتوي في بكركي .
2- وتجدر الملاحظة ان عبارة "شهداء المقاومة اللبنانية" حلّت محل عبارة "شهداء القوات اللبنانية". فها نحن نلتقي في هذا العام للصلاة، مستحضرين أرواح جميع الذين استشهدوا ليحيا لبنان، سائلين اللّه أن يسكنهم جنان رحمته، محاولين التعزّي عن الحزن بالرجاء، وعن الخوف بالأمانة التي تبقى للأبد ، مجتهدين لنبقى أبناء النور، وظلال الموت تحوط بنا، متشبّثين بأرضنا المقدسة، والعواصف تضربها من كلّ اتجاه.
أولا: لبنان منذ القدم:
ونلتقي لنرنّم للغائبين، الذين سلكوا طريق الوفاء لهذه الأرض، فمنحوها حياتهم لتحيا، وحرسوا الارز بتضحياتهم، واستقرّوا في أعالي الجبال أبطالا تباركهم الشمس، وتحنو على لبنان، أرض التواصل بين الأمم ، وملتقى الثقافات. فمنذ السّومريين والمصريّين، والكلدان ، والأشوريين والفرس ، مرورا بعالم اليوم … كان لبنان وطننا "مستقرا لحضارته الخاصّة، وممرّا للحضارات على تنوعها". وقد قرأنا في اشعيا كيف كانت المراكب الكثيرة تصعّد في قمم جبال لبنان لقطع "أرفع أرزه وخيار سروه". وظل لبنان حلما بالنسبة الى أبنائه، أولا، الساعين الى الاستقرار، وبالنسبة الى أرض الرافدين ووادي النّيل، للحاجة الى الخشب، ثم كان منذ بدء تاريخه، هدفا للمعتدين والأمم الكثيرة، يدمّرون أسواره، ويهدمون البروج، ويعرّون الصّخور، كما جرى لمدينة صور.
ثانيا: لبنان الملجأ :
ونلتقي اليوم لنؤكد أننا فهمنا واقعنا والمعاناة، وأدركنا طبيعة هويّتنا، ومدانا الجغرافي، وأبعاد تاريخنا، وقرّرنا أن نبقى مرتبطين بتراث الأحبّاء الذين سبقونا على دروب الصمود والتضحيات، وعلى طريق الحرية وتحصين الكرامات. فلبنان، بالنسبة اليهم، والينا، أكثر من أرض، وأكثر من وطن، واكثر من ممّر، واكثر من مستقر، انه الملجأ المقدّس، الذي يحمل كل الأبعاد الروحيّة والإنسانية، على الرغم من تشويه صورته على أيدي أعدائه. وقد كان، دائما واحة الهاربين من ظلم، والحريصين على صداقة مع السماء، وكلنا نعلم كيف أنّ الاضطهاد علّم الموارنة تحويل الحجارة قمحا، والمآسي أناشيد، وكيف أنهم تحوّلوا، في مراحل تاريخية كثيرة الى قرابين في هذا الشرق، لأنهم يعيشون المسيح، وصليب المسيح الذي انتصر على الموت بالقيامة، ويعيشون مع مريم التي تجد في كنائسهم تكريما أشبه بتكريمها في السماء، وهي البهيّة الحنون، مستحقة كل اكرام واحترام.
ثالثا: طريق الشهادة :
ونلتقي هنا لنتذكر معا، أن الضريبة التي كانت تدفعها أرضنا لم تكن، وحسب، الذهب والفضة والقصدير والنحاس والخشب، وغيره، اذ كتب علينا، من جبيل الى صور، ومن الساحل الى الجبال، أن ندفع ضريبة الدّم. ففي الأزمنة القديمة قاومنا الحصار بالاستشهاد، وفي الزمان المملوكي عايشنا الشهادة بالخازوق. وفي الزمان العثماني قاومنا التجويع والترويع والإذلال. هنالك أيضا الذين ماتوا اختناقا بالماء في حوقا, ومنذ ما يفوق الماية سنة الذين استشهدوا في دير القمر ولكم خيّر من فتيان و فتيات، في معارك ضارية، بين الحياة مع الجحود والموت مع الثبات على الايمان، فأثروا الموت وكانوا شهداء مرتيّن: شهداء الايمان وشهداء الوطن. وفي هذا الزمان، كما في زمان نبوخذ نصّر الثّاني (٦٠٥-٥٦٢ ق.م.)، الذي حاصر صور ثلاث عشرة سنة، لا تزال الرياح الاقليمية والدولية تهبّ حول أرزه الشّامخ، لتنتزع منه خيراته والثروات، ولتخرج أهله من ديارهم. هذه الضريبة لن ندعها تذهب هدرا"، وسنبقى على وفاء للبنان ووجوده الحي الفاعل في المنطقة والعالم.
رابعا": تحصين الداخل:
ونلتقي أيضا"، لنجدد ثقتنا بأنّ لبنان الذي يتعرّض لاخترقات الارهاب ولخضّات داخلية، بين طوائفه والمكونات، ولتراكم الأسلحة، ولتضارب المشروعات السياسية والأمنية على أرضه … وعلى الرغم من ربطه بالنزاعات الاقليمية، ومن تعثر تطبيق قرارات الأمم المتحدة … فهو لا يملك طريقا" للخلاص سوى تعزيز مناعته الداخلية بأزاء الاضطربات الاقليمية. وهو لا يمكنه أن ينتظر الأزمنة التي تنهي التطرف والتآمر، وترد العدالة والسلام والنظام الى المحيط القريب، والفضاء الدولي البعيد. وقد برهنت الأحداث منذ 1975 أنّ المفاهيم الحديثة للأمة والدولة والأنسان والقيم، تتعرّض لهجمات تراجعية متخلفة، لا يمكن الاستسلام بأزائها، ولا بدّ من مقاومتها، كي نعطي لبنان فرصا للبقاء، للتجدد، للنهوض، للحياة.
خامسا": الرأي الواحد:
1- وأنّ من المفيد يا أبنائي الأحباء، فيما نحيي ذكرى شهداء القوّات اللبنانية، بل شهداء المقاومة اللبنانية، أن أدعوكم الى التأمل في قول بولس الرسول: " فان كانت تعزية في المسيح أو راحة بالمحبة، أو شراكة في الروح أو رأفة ورحمة، فأتموا فرحي بأن تكونوا على رأي واحد، ومحبة واحدة، وعلى اتفاق الأنفس واتحاد الأفكار … ولا ينظرن أحدّ الى ما هو لنفسه بل فلينظر كلّ واحد الى ما هو لغيره. افعلوا كلّ شيء، بغير تذمّرولا جدال لتكونوا أبناء الله ، بين جيل معوّج ملتوٍ تضيئون كالنيّرات في العالم، متمسّكين بكلمة الحياة"
2- كما بات علينا جميعاً، من جهة أخرى، أن نعرف أن اتحادنا في هذه البلاد، المسيحيين مع المسيحيين، والمسلمين مع المسلمين، والمسيحيين مع المسلمين، هو ما ينقذنا من ورطتنا وأن خشبة الخلاص عندنا هي هذه الشرعية التي يجب أن ندعمها ونساندها ، فعلاً، لا قولاً وحسب، لتبقى رمزنا وهادينا الى السيادة واعادة الأمن والاستقرار والسلام الى بلادنا . فبوحدتنا نسلم، وبخلافنا نتحطم!
3- فحرام عليكم، أنتم رفاق الشهداء، أن لا تفيدوا مما تركه لكم شهداء القوات اللبنانية وشهداء المقاومة اللبنانية من ارث ثمين وقيم في الاستشهاد والبطولة. تذكّروا دائماً، أيها الأعزاء، القادة الذين استشهدوا أو الذين تحمّلوا أعباء السّجون والغربة والاضطّهاد، فهم يضيئون لكم الطّريق الى الحياة الجديدة. عليكم أن تثمّروا كل ذلك في سبيل الوطن والخير العام. والا ذهبت جهود من سبقكم سدىً.
4- وكما صدّرتم بطاقة دعوتكم الى هذا القداس بعبارة " كنا اخوة في الشهادة فلنكن اخوة في الحياة "، كونوا اخوة بعضكم لبعض، واخوة للجميع. " ألا ما أطيب ، ما أحلى أن يسكن الأخوة معاً!".
الخاتمة :
1- وفي الختام اليكم جميعاً ، قادة ورفاقاً، رجالاً ونساءً، أوجه نداءً، دعوة، صرخة، مناشدة … سموا ذلك ما شئتم! اني، من على مذبح شهيد الشهداء، ادعو الجميع الى مصالحة عامة، جامعة، شاملة، تبادرونها بملاقاة الآخرين : للمصالحة والمسامحة أو طلب المسامحة : الكبير هو الذي يسامح، وأكبر منه هو الذي يطلب المسامحة. البغض، الحقد، لا يسامح ولا يطلب المسامحة – هي المحبة التي تسامح وتطلب المسامحة.
2- " المحبة لا تحنق(…) ولا تفرح بالظلم، بل تفرح بالحق. وهي تعذر كل شيء (…) وتتحمل كل شيء". اخوتي، اخواتي، كل شيء قابل للسقوط، وحدها "المحبة لا تسقط أبداً".
3- اخوتي، أخواتي: "العظيم حقاً من كانت محبته عظيمة " ! كونوا عظماء بمحبتكم العظيمة. آمين.
بكركي ، في 21 ايلول 2008
