صراع على الزعامة والخيار
من بين كل المصالحات او مشاريع المصالحات التي أجراها تيار "المستقبل" والحزب التقدمي الاشتراكي و"حزب الله" وتنظيمات او هيئات سياسية وحزبية ودينية تدور في فلك القوى الثلاث حتى الآن، والتي قد تبلغ تتويجها بمصالحة طال الحديث عنها بين "تيار المستقبل" و"حزب الله"، يتفرد المسيحيون بطابع مختلف لا يتطابق وهذا المنحى لدى الآخرين.
واقع الحال ان المصالحات هذه تشكل ممرات ميدانية وشوارعية حتمية للعبور الى الانتخابات النيابية وما بعدها بحد ادنى مفروض من التهادن الاهلي، لان الهدنة السياسية التي جسدتها حكومة اتفاق الدوحة ظلت قاصرة عن ملامسة نبض شارع ملتهب بالعصبية المذهبية. وبذلك فان فرص ارساء هذا النوع من المسالمة الاهلية الآن صار حاجة ماسة للقوى التي تحسب عليها شوارع منفعلة بمشاريعها السياسية فيما هي معرضة في اي لحظة للاشتعال لو لم يتخذ قادتها مبادرات ولو افتقرت الى مضمون جذري لن يكون ممكنا ما دام الصراع السياسي مفتوحا حتى اللحظة الانتخابية.
هذا البعد يختلف اختلافا تاما في اي مقاربة او مشروع او حديث عن مصالحة مسيحية – مسيحية. فليس بين سعد الحريري ووليد جنبلاط والسيد حسن نصرالله اي صراع على زعامة شارع واحد. وليس بينهم اي انكار عميق لزعامة كل منهم لطائفته او لمعظمها او للعصب الاساسي فيها، الصراع بين هؤلاء الزعماء قد يكون أخطر بالمنظار المصيري للنظام اللبناني وصورة الجمهورية وسط حرب المشروعين الكبيرين اللذين تحملهما الغالبية والمعارضة. لكن هذا الصراع يصبح اقل تعقيدا حين يقاس بما بين الزعماء الموارنة خصوصا والمسيحيين عموما الذين يحملون "قيمة مضافة" فوق انخراطهم في حرب المشروعين، هي الصراع المتمادي من دون هوادة على الزعامة في شارع لا آحادية يمكن ان تستمر فيه ولا يمكن اي زعيم ان يستقطب آحادية زعامته.
فكل مشاريع الزعامة الآحادية للشارع المسيحي اما تحولت تاريخيا معارك دامية او كلفت اثمانا سياسية تفوق قدرة اي زعيم على تحملها، وفي كلا الحالين لم يسفر المشهد المسيحي يوما ولا استقام عند زعيم يختصر الطائفة، على غرار ما يتمتع به اليوم زعماء الطوائف الاسلامية الاخرى. والحديث عن مصالحة مسيحية في هذا الظرف يبدو اشبه باطلاق نذير الذعر من ان يذهب المسيحيون الى الفتنة فيما المسلمون يلملمون جراحهم ويستترون على الشرور.
وهو حديث مبرر بالكامل ما دامت الذاكرة المسيحية استرجعت هاجسا دمويا يسكنها منذ مطالع الفتن المسيحية في الشمال ومعها الحساسيات الموروثة والدفينة منذ الحرب في المناطق المسيحية الشرقية.
غير ان التنازع المسيحي المتمركز عند الانقسام "التاريخي" بين العماد ميشال عون وحلفائه ومسيحيي 14 آذار وحلفائهم بات من الجسامة والتعقيد بحيث لم يعد يفسح مكانا لاي امكان لتسويات عابرة وظرفية وموقتة بالمنحى السياسي الجذري على غرار ما يسمح به الامر لدى الطوائف الاسلامية. ويكفي للدلالة على ذلك ان هذا الانقسام جمّد وحيّد الدور التاريخي البديهي لبكركي من جهة، ويشكل مجازفة لرئاسة الجمهورية نفسها التي لا بد من ان تضرب الاخماس بالاسداس قبل ان تفكر بالقبول في التورط في مصالحة ربما تحرق اصابعها فيها على نحو مجاني وغير مأمون.
وللمرة الاولى بهذه الجسامة نفسها يبدو المسيحيون على مشارف خيارات مصيرية حقة حين تبدأ بعد حين معالم المعركة الانتخابية.
فهذه المعركة وحدها، ان اجريت في ظروف توفر الخيار الحر بكل ما يقتضيه من موجبات، ستحسم معركة الخيار السياسي للمسيحيين ومعه صورة الزعامات التي يريدونها. هل هي على صورة الزعماء الآحاديين، ام على صورة تعددية اوسع، ام على صورة نسيج ضائع بين النموذجين؟
ولا مغالاة في القول ان الصراع على الزعامة المسيحية سيقرر صورة النظام التي ستكون رهنا بمدى ادراك المسيحيين معنى دورهم في هذا النظام حين يسقطون الاوراق في الصناديق او يقبعون وراء الحيرة والانكفاء.