#dfp #adsense

جعجع يضع “المصالحة المسيحية” في نصابها السياسي الفعلي

حجم الخط

الاعتذار عن الأخطاء أسبغ الصدقية على خطابه..
وتذكيره بثوابت بيئته وبموقعي الرئاسة والكنيسة منحه قوة منطق
جعجع يضع "المصالحة المسيحية" في نصابها السياسي الفعلي

مجموعة من المفاصل الرئيسية ميّزت خطاب رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع أمس، والذي تحدّث في الاحتفال بشهداء "القوات" كزعيم مسيحي ـ لبناني.

الاعتذار.. والصدقية

المفصل الأول هو الاعتذار عن الأخطاء في مرحلة الحرب اللبنانية الماضية. وقد حدّد الأخطاء على أنها "كل جرح أو أذية أو خسارة أو ضرر تسبّبنا به أو بها".
لا يمكن القول إن جعجع، في هذه الفقرة من خطابه، قدّم مراجعة نقدية "متكاملة" لتجربة "فريقه" في مقدّمات الحرب اللبنانية وفي أحداثها. ومع ذلك، أي على الرغم من غياب المراجعة النقدية بالمعنى المشار إليه، فإن إشارتين مرّ عليهما "الحكيم" كانتا مهمّتين. الأولى إشارته الى نشأة "المقاومة اللبنانية" في ظرف انهيار الدولة وسقوطها. والثانية تذكيره بدخول "القوات" في إتفاق الطائف مشاركة منها في إنهاء الحرب وفي التأسيس لمرحلة السلم الأهلي.

فبمعيار المراجعة "التاريخية"، يبدو الخطاب ناقصاً، لكنه بالمعيار الإخلاقي اعتذار شجاع "قيمته" أنه يُكسب كل حديث الدكتور جعجع صدقية سياسية فعلية. بل أكثر من ذلك، إن الاعتذار الشجاع، لمن يعرف حقّ المعرفة أن للحكيم قراءة نقدية للحرب الأهلية ولمختلف الأدوار فيها، يشكل عاملاً مهماً في أي بحث هادف الى تحصين لبنان من أن يكون كياناً لحروب أهلية دوريّة.

الردّ على الطرح الغرائزي والتكتيكي للمصالحة

والمفصل الثاني هو وضعه شعار "المصالحة المسيحية" في نصابه الفعلي الصحيح.
ليس سراً أن لدى "مسيحيي 8 آذار"، أي لدى "مسيحيي سوريا وحزب الله" طرحاً "غرائزياً" من ناحية وسياسياً ـ تكتيكياً من ناحية ثانية لمسألة "المصالحة المسيحية".

في الجانب "الغرائزي"، محاولة للقول إن ثمة مصالحات إسلامية تجري، سنية ـ سنية ودرزية ـ درزية فيما المصالحة الشيعية ـ الشيعية متحققة بالتحالف الثنائي بين "حزب الله" و"أمل"، فلماذا لا تكون مصالحة مسيحية ـ مسيحية؟. أما في الجانب السياسي التكتيكي، فلا يخفى أن القصد من الطرح هو محاولة "فرملة" الانهيار الشعبي من حول الجنرال والاندفاع الشعبي المقابل نحو 41 آذار. أي أن للطرح غاية "إحراجية" لـ"القوات اللبنانية" ولمجمل "مسيحيي 41 آذار"، خصوصاً على مشارف مرحلة إنتخابية. ولا يمكن في هذا المجال عدم تذكّر حقيقتين: حقيقة أن الجنرال و"أعوانه" كانوا يطرحون "المصالحة المسيحية" في السنوات الماضية بمثابة "مظلة" لزعامة الجنرال الإلغائية للآخرين، وحقيقة أن طرحهم كان هادفاً الى مصالحة تعطيهم تفويضاً وشرعية لـ"التصرّف" بالمسيحيين في الاتجاه الذي ينقلهم الى خارج تاريخهم.

المصالحة ضمن الثوابت المسيحية

أمس، أعطى الحكيم جوابه. لم يقُل إنه يرفض المصالحة. وهو لا يرفض مصالحة حدودها تنظيم الخلاف السياسي سلمياً وديموقراطياً. لكنه اعتبر أن "المصالحة المسيحية" الحقيقية والفعلية هي بإعادة الاعتبار لـ"الثوابت المسيحية" التاريخية، أي برفض السياسات التي تضع المسيحيين في تناقض مع دورهم وتاريخهم وثقافتهم، في تناقض مع الاستقلال والدولة ومع دور لبنان في محيطه والعالم.
ومن دون تسميات مباشرة، أبرز جعجع التناقض الكبير في مواقف الجنرال وتحالفاته وبينها وبين التراث السياسي المسيحي ـ اللبناني، كما أبرز تناقض النائب السابق سليمان فرنجية حتّى مع شعار جدّه "وطني دائماً على حقّ".

وفي هذا الإطار، ربط الحكيم الحاضر بالتاريخ إذ استعاد ذكرى زعماء مسيحيين راحلين مسمّياً منهم الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل والعميد ريمون إده وشارل مالك وإدوار حنين وجواد بولس.. ومؤسس "القوات" الرئيس بشير الجميل. وفي ذلك تذكير بـ"الاستمرارية" أو التواصل بينه وبين "المدارس" المسيحية التي سبقت. وربطاً بفقرة سابقة من الخطاب "تعترف" بقاعدة "جلّ من لا يخطئ"، فإن إستحضار جعجع للزعامات المسيحية في تاريخ لبنان، هو بمثابة تذكير بان الفارق شاسع بين "خطأ في السياسة" يمكن أن يكون حصل مع الزعماء الراحلين وبين أخطاء في التاريخ والجغرافيا والثقافة والتراث يقع فيها "مسيحيو 8 آذار".

رئاسة الجمهورية وبكركي.. و14 آذار

على أن المفصل المميز في خطاب الحكيم أمس، ليس فقط تأكيده على "المقاومة الجامعة الشاملة التي تمثلها ثورة الأرز وحركة 41 آذار"، وعلى أن "الأرز لا يلوي وثورة الأرز لن تتوقف"، إنما تذكيره أساساً بموقعين أساسيين مسيحياً ووطنياً، هما الرئاسة والكنيسة.
هنا لا ينطق جعجع بحقيقة "مسيحية" تاريخية وحسب، بل يسلط على أمر سياسي ووطني راهن.

فأي مصالحة مسيحية هي تلك التي لا تقيم إعتباراَ لرئاسة الجمهورية من جهة ولبكركي وسيّدها البطريرك نصرالله بطرس صفير من جهة أخرى؟.
والحال هنا أن الحكيم لا يرمي الى "فضح" التآمرات السابقة.. واللاحقة من جانب 8 آذار ومسيحييه على الموقعين الرئاسي والبطريركي وحسب، إنما الى تأكيد أهمية العلاقة بين المسيحيين من ناحية ورئاسة الجمهورية والكنيسة من ناحية ثانية، أي أنه يكشف عن "الجسر" الذي يوصل بين مسيحيي 41 آذارـ وقد كان ناطقاً باسمهم أمس ـ وبين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والبطريرك صفير.

خطاب مسيحي.. بمسلّمات الشراكة المسيحية ـ الإسلامية

كان جعجع في خطابه أمس زعيماً مسيحياً في احتفال مسيحي. غير أنه في ما شدّد عليه وانتهى إليه، أثبت انه ينطق بمسلّمات الشراكة المسيحية ـ الإسلامية التي تجسدها حركة 41 آذار. الدولة وإتفاق الطائف مسلّمة مشتركة. "إتفاق الدوحة" ومندرجاته مسلّمة مشتركة أيضاً. الاستراتيجية الدفاعية للدولة والاستراتيجية العربية الموحدة تجنباً لمزيد من التجارب العربية الفاشلة، مسلّمتان مشتركتان. حياد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية وإحترام الشرعية الدولية كذلك.

إذاً، كان الحكيم "يدفن" أمس مرحلة الميليشيا. هو دفنها قبل ذلك منذ إتفاق الطائف لكنه تلا عليها "صلاة الغائب" أمس.
ألم يخاطب كلّ من كانت له مشكلة مع "القوات" أو معه شخصياً بأن "أستحلفكم أن تنقّوا القلب والعقل لمصلحة لبنان، وحددوا لبنانكم وستجدون انه لبناننا"؟

في الإحتفال الذي غصّ مكانه بعشرات الآلاف، أطلق الدكتور جعجع، في حضور قادة مسيحيي 41 آذار وممثلي كافّة كتل الحركة الاستقلالية عهد وفاء لـ"ثورة الأرز" ووعداً صادقاً بمعركة سياسية وإنتخابية واحدة لكل 41 آذار وإن لم يقل ذلك بشكل "مباشر".

نجحت "القوات" في الإختبار الشعبي. ونجح الحكيم في الرهان على الناس.. لأنه قال قولاً صادقاً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل