21 أيلول 2008 يوم التغيير على الساحة المسيحية
تعقيباً على حادثة بصرما الكورانية التي ذهب ضحيتها شابان مسيحيان مارونيان، الاول قواتي من بلدة عين عكرين، والثاني من المردة من بلدة زغرتا، قال نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري، وهو نائب عن الكورة، متأسفا: لماذا يذهب المسيحيون الى الحرب، وجميع الافرقاء الآخرون راجعون منها.
وتخوفاً من انزلاق المسيحيين، وخصوصاً الموارنة منهم، باتجاه الحرب، التي ان حصلت هذه المرة، فسوف تقضي على البقية الباقية من الوجود المسيحي الحر في لبنان والعالم العربي، سارعت قيادات مسيحية سياسية وروحية واجتماعية الى التحرك نحو طرفي النزاع، لتهدئة الخواطر، ونزع فتيل الحرب، مع التأكيد على التنافس السياسي المشروع، وتحريم اللجوء الى السلاح في حلّ الخلافات، مهما كانت عميقة وكبيرة، وذات جذور تعود الى اعوام طويلة مضت، وكان من ضمن المسارعين الى التحرّك، الرابطة المارونية المعنية بدرجة متقدمة بشؤون الطائفة وشجونها، والتي تتسلّح في كل تحرك لها ببركة البطريرك الماروني نصرالله صفير ورعايته، وبدا واضحا ان التحرك السياسي المستند الى لهفة حقيقية، ورغبة صادقة في جعل الامور تقف عند الحدّ الذي وصلت اليه، على ان تترك للقضاء مهمة كشف حقيقة ما حصل في بلدة بصرما، وصل الى درجة عالية من النجاح، بحيث استعاد المسيحيون في الشمال خصوصاً، وفي لبنان عموماً امالهم بان الدم المسيحي خط احمر وان المسيحيين «لن يذهبوا الى الحجّ والناس راجعة».
هذه الصورة الايجابية، تشوّهت مع الاسف، حسب مرجعية روحية مارونية، ليس بزيارة التعزية الى الوزير السابق سليمان فرنجية، بل بالمواقف التصعيدية التي صدرت بعد اللقاء، وتحديداً من النائب ميشال عون الذي وجّه الى قيادة القوات اللبنانية سلسلة من الاتهامات، التي وفق هذه المصادر، لا تنطبق على واقع الحال، خصوصاً ما جاء على لسانه حول «استغلال» مناسبة تكريم شهداء المقاومة اللبنانية، علماً بان هذه المناسبة السنوية، كانت وما زالت تقام دائماً تحت رعاية السيد البطريرك، ولذلك من حق القوات ان يكرّموا شهداءهم، وباوسع مشاركة شعبية، ، خصوصاً عندما يشكك العماد عون، وغيره من الشخصيات والاحزاب الصديقة وغير الصديقة، بشعبية القوات وحجمها على مساحة لبنان كله، علماً بان خطاب الدكتور سمير جعجع والقوات اللبنانية، منذ بدء عهد الطائف، وحتى اليوم، كان خطاباً عقلانياً موزوناً غير متطرف وغير استفزازي، على الرغم من ان القوات دفعت ثمناً غالياً بسقوط عدد من الشهداء اثناء وجود جعجع في السجن، وبعد خروجه منه، ولم تهدد يوماً لا بالانتقام، ولا بالثأر، بل تركت الامر الى اجهزة الدولة لتقوم بواجباتها، وتنهي هذه المرجعية الروحية بدعوة جميع القيادات المسيحية الى تهّيب الموقف الداخلي المتوتر، والموقف الخارجي الذي يشبه النار تحت الرماد، ويصونوا بلدهم وشعبهم بصيانة السنتهم بلجم تفلّتها بقول الكلمة المسيئة.
***
ان الاحداث الامنية التي تتنقل من منطقة الى اخرى، وتترك وراءها شهداء وقتلى وجرحى وخسائر، كان يمكن ان تكون اكثر مأسوية، واوسع امتداداً، لو ان لبنان كان من دون رئيس جمهورية، او حكومة موسعة شرعية ودستورية وميثاقية، او من دون قائد للجيش قادر على اخذ تدابير سريعة، كمثل التي اتخذت بعد حادث بلدة بصرما، والتي سوف تتخذ في اي منطقة من لبنان لتطويق اي حادث يحصل، ومنع توسعه وامتداده، وهذا التعميم من قيادة الجيش، وفق زوّار القائد الجديد العماد جان قهوجي، لا رجعة عنه ولا تهاون في تطبيقه، والعماد قهوجي الذي يعتبر انه قائد جيش كل لبنان، وهو لكل الطوائف، الا انه في الوقت ذاته لن يسمح مهما كانت الظروف والعقبات، باي اشتباكات دموية، وتصفية حسابات بين احزاب وشخصيات على الساحة المسيحية.
***
يبقى اخيراً ان القداس الذي اقامته امس القوات اللبنانية، تكريماً لشهداء المقاومة اللبنانية، والكلمة التي القاها رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، قد اثبتا بالملموس جملة حقائق وثوابت لا يمكن بعد الآن ان يتجاهلها احد في الداخل والخارج، اهمّها ان حزب القوات اللبنانية هو الحزب الاكثر تأثيرا على الساحة المسيحية شعبياً وسياسياً وحضوراً، وهو الحزب ذو التأثير الكبير على الساحة اللبنانية قياساً على الحشد الكبير الذي سدّ شوارع جونيه ومداخلهاوملعب الرئيس فؤاد شهاب البلدي، اما كلمة الدكتور جعجع في المناسبة، فقد تضمنت مواقف شجاعة، وشفافية واضحة، عندما اعتذر باسمه واسم القوات عن اي اساءة ارتكبت اثناء الحرب بحق اي مواطن، معترفاً في الوقت ذاته بحصول اخطاء في سياق قيام القوات اللبنانية بمهامها اثناء الحرب، ولكن الدكتور جعجع اكدّ على ثوابت الحلف الثلاثي، وثوابت الجبهة اللبنانية، معتبراً ان الالتزام بها هو المدخل لاي مصالحة مسيحية، دون ان ينسى التزامه بثورة الارز وحركة 14 آذار، والدولة اللبنانية، من جهة اخرى شنّ هجوماً عنيفاً على العماد ميشال عون، دون ان يسمّيه، منطلقاً في شكل خاص من مواقف عون الاخيرة بعد لقائه بالنائب السابق سليمان فرنجية، وكان لافتاً ايضاً ما جاء في عظة البطريرك صفير ليوم الاحد، حيث وصف البعض من دون ان يسميهم برؤوس الفساد في الوقت الذي يوهمون فيه الناس بانهم يكافحون الفساد.
21 ايلول 2008، يوم سيذكره اللبنانيون جيداً في الانتخابات النيابية المقبلة، لانه يوم التغيير على الساحة المسيحية.