انتظار…!؟
… اللبنانيون يعيشون يومياً هبات ساخنة تقابلها وفوراً هبات باردة، فالحديث عن المصالحات ينزل على رؤوسهم برداً وسلاماً، ولكنهم أمام التشنجات الفجائية يشعرون بالصدمة والقلق، وهكذا، بين السلبي والايجابي يبدو ان لا شيء محسوماً في البلاد، ليعود الجميع الى حال انتظار تحوّل ما، أو حدث لا تعرف ماهيته وطبيعته.
وما بين الصراعات التي كان آخرها ما يجري بين "القوات اللبنانية" و"تيار المردة"، ثم الرد والرد المضاد بين الطرفين، يبدو ان هناك قطبة مخفية، وحتى ان المصالحات التي جرت، إن كان بين "حزب الله" و"التقدمي الاشتراكي"، أو ما هو متوقع بين "المستقبل" و"حزب الله" كلها تبدو عملية تهدئة أو تقطيعاً للوقت.
…. كل هذا يعني ان الانتظار في هذه المرحلة هو سيّد الموقف، ويتردد في الأروقة الديبلوماسية ان لبنان سيبقى في حال المراوحة حتى تحسم القضايا الكبرى في المنطقة سلباً أو ايجاباً، ولا تستبعد هذه الدوائر على الاطلاق أن يكون الحدث الحاسم متمثلاً بما سيرسو عليه الملف النووي الايراني.
… هل هي الحرب؟
.. لا شيء مستبعداً على الاطلاق، إذ ان اميركا لن تستطيع أن تتحمّل طويلاً ايران نووية، وكذلك اسرائيل التي لا تترك فرصة إلا وتثير فيها قضية الملف النووي الايراني، وهذا الواقع يضع خيار الحرب في سلم أولويات واشنطن وإسرائيل، وعلى أساس النتائج سيتم عندئذ تحديد شكل المسار اللبناني.
… وحتى ان الرئيس الاميركي جورج بوش صاحب الميول الى الحرب وبتطرف، يعتبر ان الحرب ضد ايران مخرجاً لائقاً لإدارته، خصوصاً بعد الازمة المالية الأشد والأكبر والتي تعصف بأميركا في هذه المرحلة، وهو لن يتورع عن اتخاذ مثل هذا القرار في نهاية ولايته، أو قد يلجأ الى اسلوب آخر بإعطاء اسرائيل الضوء الاخضر، وتزويدها بما يلزم لشن غارات جوية على المفاعلات النووية الايرانية.
ولكن مع ذلك، فإن هذا الخيار ليس بالضرورة الوحيد، فقد لا تقع الحرب، وقد يقوم الرئيس جورج بوش بترك القرار للرئيس المقبل للولايات المتحدة الاميركية، وعلى الرغم من ان هذا الإحتمال لا يزال ضعيفاً، إلا انه ممكن، وقد يلجأ بوش الى رفع مستوى العقوبات الى درجة عالية جداً اذا ما وافق الاوروبيون على ذلك.
.. في هذا المعنى، فكل الاحتمالات واردة، ونحن أمام شهرين حاسمين، أو في أبعد تقدير ثلاثة أشهر، وهي المدة التي سيكون لبنان في أعلى درجات القلق والتوتر والانتظار.
.. وفي مطلق الأحوال، فإن المصالحات التي تجري في لبنان مهمة وضرورية، وإن كانت كمرحلة اولى للتهدئة، والأمل كبير بأن يدرك كل اللبنانيين ان ربط هذا البلد بملفات وصراعات إقليمية ودولية دفع هذا الوطن الى ما هو عليه من توترات، وعليه، فالجميع مطالب بمراجعة مسؤولة للمرحلة، والعودة الى التمسك بلبنان أولاً.