#adsense

الذاكرة

حجم الخط

الذاكرة

ليست المرة الاولى التي يقدم فيها الدكتور سمير جعجع اعتذاراً علنياً عن اخطاء وقعت فيها عناصر من "القوات اللبنانية" في خلال الحرب. فقد سبق له ان اعتذر في اكثر من حديث تلفزيوني ومقابلة صحافية.
لكنه اختار هذه المرة مناسبة حاشدة وعلى مفترقات دقيقة ليعلن اعتذاراً صريحاً وجازماً. ربما لان هناك حاجة ضرورية الى مثل هذا الموقف الجريء، امام استحقاقات كثيرة تتعلق بالمصالحة المسيحية ثم بالمصالحة الوطنية العامة وبالحاجة الى طي صفحة الماضي الاليم للنظر الى مستقبل يخلو من الضغائن والموروثات السلبية.

❒❒❒

النائب وليد جنبلاط كان قد قدم اعتذاراً مشابهاً وكرر هذا الموقف مراراً. ولكن كثيرين من الذين خلعوا الثياب المرقطة وارتدوا الياقات المنشاة، وانتقلوا من المتاريس الى المكاتب الفخمة، ومن الجبهات الى الحكومات، اولئك الذين كانوا غارقين في الحروب الاهلية حتى اعناقهم، سواء كانوا من اهل الاحزاب والتنظيمات، او حتى من اهل السلطة التي صارت سلطات والحكومات التي تحوّلت حكومات، لم يكلفوا انفسهم بعد حتى مجرد التفكير بأن للناس في لبنان ذاكرة وذاكرة حية وجريحة ايضاً، وان جنابهم في حاجة ايضاً الى الاعتذار عن اخطاء الحرب.

طبعاً لا حاجة بنا الى تعداد الاسماء. فالقائمة طويلة وطويلة جداً. والاخطاء طويلة جداً ايضاً، لكن الصمت طويل هو ايضاً في افواه وقلوب اولئك الذين حسبوا ويحسبون ان خطاياهم مغفورة وان اجنحة الملائكة ترفل فوق اكتافهم، وان ينابيع الطهارة والعفة والشفافية تتدفق من رسوليتهم وسبحان الله في خلقه كما يقال!

❒❒❒

هذه واحدة. اما الثانية فإنها تتعلق بالمصالحة المسيحية التي تنشط فيها الرابطة المارونية مشكورة من الجميع، حيث قيل ان سيل الاسئلة التي طرحها جعجع حول المواضيع التي يجب التفاهم عليها، وهو تفاهم يبدو مستحيلاً، أقفلت الابواب دون نجاح هذه المصالحة. وهذا امر غير صحيح اطلاقاً، لان المطلوب حصول تفاهم على القضايا الخلافية الوطنية الكبيرة، لا حصول مصالحات عشائرية على طريقة تبويس اللحى.

وحده النائب ميشال المر سارع الى وضع النقاط على الحروف عندما قال ان ما طرحه جعجع محق. فالمصالحة ليست شخصية "لان القضايا التي طرحها ليست موضع اهتمامه وحده بل يهتم بها عدد كبير من المسيحيين وخصوصاً لجهة ابقاء سلاح "حزب الله" الى حين تحرير فلسطين وعودة القدس والفلسطينيين وانهاء ازمة الشرق الاوسط. وهذه قضايا لا يمكن الا ان نكون مؤيدين لها. ومن يطرح هذه المعادلة سيتراجع عنها في اي حوار. والنقطة الثانية هي التحقيق مع قيادة الجيش في ما خص حادثة سجد ومن سمح للمروحية بالطيران في هذه المنطقة، فهل يعقل هذا الطرح؟".

وفي اي حال ليس هناك من لا يتذكر المساعي التي بذلتها بكركي وسيدها البطريرك صفير لابرام مصالحة تنزل الوفاق المسيحي عن الصليب. وهي مساع تعود الى زمن غابر، الى ما قبل "حرب الالغاء" ولكن ويا للاسف فإن التناحر ظل سائداً الى ان وصلت الشرذمة بصفوف المسيحيين الى حال مرضية حيث دخل العداء بيت العائلة الواحدة واستحكم حتى بين الاشقاء ولا من يرعوي. وربما هنا تكمن فعلاً اللعنة التي اشار اليها الرئيس نبيه بري قبل ايام!

❒❒❒

واذا كان للعنة وجوه كثيرة في هذا البلد السعيد فإن للذاكرة عند اهله حضوراً نابضاً وحيوياً ومفيداً يستطيع دائماً ان يعود ليبرز الحقائق كما هي تماماً.
وهذا بالتأكيد ما حصل تماماً عندما قرأ الناس الكلام الذي قيل في السرايا يوم السبت الماضي، بعد الاجتماع الذي يضم الرئيس فؤاد السنيورة ووزيرة التربية بهية الحريري والسفير السعودي د. عبد العزيز خوجه.

وأهمية ما قيل انه يأتي بعد حملة مغرضة استهدفت السعودية وحاولت الايحاء انها خسرت دورها في لبنان، بعدما صوّرت الحملة هذا الدور كأنه ينحاز الى فريق ضد فريق رغم الجهود الحثيثة والمضنية التي بذلتها الرياض دائماً وبتوجيه من الملك عبد الله شخصياً، لارساء التفاهم والوفاق والمصالحة بين اللبنانيين.

لقد وصلت الحملة المفبركة، والموحى بها من الخارج طبعاً، الى حد تصوير "اتفاق الدوحة" كأنه ممحاة تزيل من ذاكرة اللبنانيين ان هناك شيئاً اسمه "اتفاق الطائف" الذي انهى الحرب وصار دستور البلاد. كل هذا رغم مباركة الرياض ودعمها الجهود التي بذلها مشكوراً امير قطر الشيخ خليفة ورئيس وزرائه لانجاح محادثات الدوحة.

ولقد جاء وقت حسب فيه مقاولو هذه الحملة انهم نجحوا فعلاً في دفع السعودية الى التخلي عن دعمها للبنان والى الاستقالة من الدور الذي لعبته وتلعبه في تشجيع اللبنانيين على الوفاق والوحدة والتفاهم وتطبيق اتفاق الدوحة واقفال الابواب في وجه مفتعلي المشاكل والفتن وخصوصاً بين السنة والشيعة.

ولكن عبر هبة رمزية ذات معنى نبيل تبيّن ان الملك عبد الله الذي قال في قمة الرياض "ان لبنان منا في القلب ومثل العين"، لم ينسَ ان موسم المدارس قد حان، وان المملكة التي درجت منذ عامين على دفع رسوم التسجيل وتكاليف الكتب لكل التلاميذ في المدارس الرسمية، لديها ابناء سيذهبون الى صفوفهم هذه السنة ايضاً.

وهكذا حمل السفير خوجه 44 مليون دولار الى الدولة اللبنانية (دائماً المساعدات السعودية الى الدولة). مع تجديد التأكيد ان المملكة لا تتدخل في الامور السياسية الداخلية للبنان وانها تشجع اللبنانيين على المضي قدماً في المصالحات، وهي مسرورة بما تم حتى الآن على صعيد الحوار الوطني.

❒❒❒

واذا كان الرئيس السنيورة قد حرص على التذكير بأن المساعدات السعودية للبنان قبل عدوان تموز 2006 وبعده، وخصوصاً بعده، قد تجاوزت ثلاثة مليارات دولار اميركي وهو اعلى رقم تحصل عليه الدولة اللبنانية من الاشقاء العرب، فإنه استعمل في المناسبة مثلاً يجافي الحقيقة الى حد ما، عندما قال:
"ان الشجرة المثمرة ترشق دائماً"!
ولكنها في لبنان لا ترشق من الذين يريدون اكل الثمار بل من الذين يريدون تقطيع اغصانها. لكن حجارة السوء تسقط في الزواريب ولا تصل الى الاغصان، لان عند معظم اللبنانيين ذاكرة حية!

المصدر:
النهار

خبر عاجل