#adsense

حزب الله السوفياتي

حجم الخط

"حزب الله" السوفياتي

بقدر ما توحي المصالحات الكارجة على اللبنانيين رغبة ما في التهدئة الداخلية، فإنها تكرس اقتطاع حيّز بشري وجغرافي وسياسي لسلطة تنمو على هامش الدولة اللبنانية وفيها.

فبفضل الانقلاب الوئيد على الدولة، منذ ادعاء وجود ملاحظات "سرية"على المحكمة ذات الطابع الدولي، وانتهاء بغزوة السابع من أيار التي "أسقطت" (بقتل السيدة بيضون ونجلها المحامي هيثم طبارة في بيروت) "مؤامرة" على السلاح العائد من الجنوب، يحاول "حزب الله" أن يملك سلطة الإمرة في حياة اللبنانيين: في السياسة والاجتماع. في الفتنة والتهدئة. فجمهوره وحده يعاني انقطاع الكهرباء، ووحده يشكو سعر الرغيف، ووحده يريد تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ووحده لا يقبل بديلا عن تحرير القدس وفلسطين، كل فلسطين من النهر الى البحر. ولأنه يحتكر لذاته كل "الفضائل" الوطنية والقومية والاسلامية، وفق زعمه، يتنبه، باستمرار، لفتنة ما ويستنسب طريقة وأدها، مرة بالمصالحات ومرات بالنار. ولا تكون فتنة إن لم تستهدفه ورهطه، لأن ما يستهدف غيره، ولو جاء بالحيثيات نفسها، ليس "مؤامرة" ولا يمكن وصفه بذلك.

في14 آذار 2005 صدمت "ثورة الأرز" الحزب القائد. كان المدّ الجماهيري الذي حملها أقوى من "شكراً سوريا" التي أراد أن يزعمها شعاراً لكل اللبنانيين في الثامن من آذار، فسعى الى "مهادنة" كان من نتائجها التحالف الانتخابي الرباعي وولادة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ثم حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاولى.

ثم بدأ التملص من المهادنة تحت عناوين متعددة، أولها الاعتراض بالاعتكاف، على إحالة اغتيال الزميل الشهيد جبران تويني على التحقيق الدولي، تلاه زعم الملاحظات على المحكمة الدولية بالانسحاب من الحكومة، ثم التصعيد بقطع الطرق بالرمال والردم وبمحاولة اقتحام أحياء آمنة في بيروت، وهو ما أفضى الى التأجيج المذهبي الذي أوصل البلاد الى شفير الانفجار.

كان رد فعل "الحزب القائد" عند هذا المنعطف الخطر، السعي الى "المهادنة" بتشجيع من دولة الولي الفقيه التي أقلقها ما توقعت من رد فعل اسلامي غير مؤات لها إذا ما حل الانفجار.
لكنها كانت مهادنة "على زغل": حافظ الحزب على وتيرة التوتر الاجتماعي والسياسي في البلاد، من مستوطنة الخيم، الى ارتهان حياة اللبنانيين لدراجات "الفيسبا" على طريق المطار وعلى طريق الشياح – عين الرمانة.

ثم كانت "غزوة السابع من أيار" تحت عنوان حماية السلاح بالسلاح، حين وضع الحزب المذكور مجد المقاومة في خدمة مشروعه، ببعديه الداخلي والاقليمي، وما تلا ذلك من نتائج سياسية، لم تحل كثرة الايجابيات التي رآها فيها، دون تلمّسه، وتلمّس مرشده الخارجي، عمق السلبيات التي خلفها.

وكما في المرة السابقة، ارتفع صوت "الحزب القائد" بأناشيد المحبة الأهلية والوئام الوطني، والتضامن الداخلي، ولا سيما منه الاسلامي – الاسلامي خصوصا أن تفاؤله بتحقيق أحلامه في الانتخابات النيابية المقبلة، يتطلب أن يسود الهدوء الحياة السياسية.
من الطبيعي ألا تقف قوى 14 آذار متفرجة على الدعوة الى المصالحة. فسلاح الموقف السياسي الذي تواجه به الخروج على العملية الديموقراطية يكون اكثر مضاء في أجواء تسمح بإدارة الاختلاف بعيداً عن الدماء التي لا تتقن سفكها أو التضحية بها.

لكن المصالحة المطلوبة، بحسب الأمين العام للحزب، هي تكرار للمهادنة التي سعى إليها بعد الاضراب الذي سمّاه بالسلمي، وحاولت ميليشياته، خلاله، اقتحام منطقة جامعة بيروت العربية والطريق الجديدة وقصقص: إبقاء جماعته على سلاحها، وقوى الغالبية على صبرها. الاولى تقضم من إيمان الناس بالديموقراطية، وتدفع الثانية الى اليأس من إمكان قبول الاولى بالمشاركة في إعادة قيام الدولة. أي إخفاء الصدام تحت المصافحات وتغييب علاج جذره.

قد تكون المصافحة، في وجه ما، مطلوبة لتبريد بعض الرؤوس، لكنها لن تكون مصالحة إن لم تنطو على التسليم بعدم الاحتكام الى السلاح، وعلى الاحتكام الى الدولة، وخوض كل خلاف سياسي تحت سقف الديموقراطية، والايمان بأن تعددية المجتمع اللبناني لن تتيح لأي طرف، مهما عظم تسليحه، أن يفرض موقفه على المجموع الوطني.

غير ذلك، لن يكون سوى تمديد للصيف غير الساخن الذي تكرّم به على اللبنانيين الأمين العام الأشهَر، واستغله لتعزيز مواقعه السياسية (والعسكرية)، وهو ما يذكّر باستراتيجية المحدلة التي كان يطبقها الجيش الأحمر السوفياتي، وتقضي، عند احتلال منطقة، بالقيام بـ"تنظيفها "وتثبيت المواقع فيها، قبل التقدّم الى غيرها.

على هذا النسق، يريد "الحزب القائد" مصالحة تبقي سلاحه خارج النقاش، ولو كان على طاولة الحوار، ويبقي حيّزه الجغرافي خارج سلطة الدولة، إلا حين يشك في أن مشكلة ما ستضعه في مواجهة بعض أهل رهطه (كما حين سلّم لقوى الأمن الداخلي بـ"تنظيف" بعض منطقة سلطته من تجار المخدرات).

وعلى هذا النسق، يريد مصالحة لا يعتذر فيها عما ارتكبه بحق بيروت، ولا يتراجع عن اتهام أكثر من ثلثي اللبنانيين بالعمالة لاسرائيل والتآمر على لبنان وفلسطين، ولا ينثني عن رهن لبنان للملف النووي الايراني وللمفاوضات السورية مع العدو الصهيوني.

المصدر:
النهار

خبر عاجل