التباس في تفسيرها واستبعاد ديبلوماسي لأي تورّط عسكري
الحشود السورية رسالة الى لبنان أم الى الخارج؟
على رغم الغموض الكثيف الذي اكتنف المعلومات المؤكدة رسميا عبر المراجع العسكرية اللبنانية عن وجود حشود جديدة للجيش السوري قبالة الحدود الشمالية مع عكار، بدت مبكرة الاحاطة بحقيقة أهداف هذه التحركات وصلتها بالتطورات اللبنانية الداخلية او بملف العلاقات اللبنانية – السورية الذي وضع على نار المعالجة الهادئة منذ القمة الاولى بين الرئيسين ميشال سليمان وبشار الاسد.
وقد شغلت هذه المعلومات في الواقع مختلف الاوساط السياسية التي سعت الى قراءة مغزى هذه الحشود في توقيتها ومكانها، وحجمها من دون أن يبدي معظمها اقتناعا بما نقل عن دمشق من انها لا تتعلق بأي عمل ضد لبنان على الاطلاق بل تتصل بدواع أمنية داخلية في سوريا لجهة مكافحة أعمال التهريب.
والى ان يبرز مزيد من المعطيات الدقيقة التي يمكن على أساسها تبين ما اذا كانت لهذا التطور صلة فعلية بالمجريات اللبنانية، بدا ان ثمة ملاحظات أولية لدى العديد من الاوساط المتتبعة لهذا الموضوع قد تشكل في مجموعها اطارا لقراءة ايحاءاته أقله من جانب فئات لبنانية تنظر الى هذا التطور بعين التوجس والتخوف من ان تكون له خلفيات سلبية.
ففي رأي هذه الاوساط، انها ليست المرة الأولى التي ترصد فيها حشود أو تحركات عسكرية سورية قبالة الحدود الشرقية او الشمالية في الفترة الاخيرة، فغالبا ما كانت تحصل تحركات مماثلة ولكنها لا تستمر لوقت طويل. وفي كل مرة كانت تحصل فيها هذه التحركات كان عامل التوقيت يلعب دورا أساسيا اذ ان الاجواء تكون على ارتباط واضح بالتطورات الداخلية في لبنان او بأي تطور آخر متصل بالعلاقات بين البلدين. لكن الجديد في التطور الاخير هو حجم الحشود الكبيرة التي تدل على ان الامر يتجاوز الاطار الروتيني لأي "رسالة" يراد لها ان تصل الى لبنان، وكذلك العامل العلني في نشر الوحدات العسكرية السورية خلافا لما كان يحصل في تحركات سابقة مماثلة.
وتلفت الاوساط في هذا السياق الى انه يصعب تجاوز التوقيت المعتمد لهذه الخطوة عن بعض المؤشرات التي سبقتها وتواكبها. ومن أبرز هذه المؤشرات ارتفاع وتيرة الزيارات السياسية لحلفاء دمشق للعاصمة السورية، ومن ثم تعثر مشاريع بعض المصالحات في وقت كانت كل الاجواء توحي أن بعض حلفاء دمشق متحمسون لهذه المصالحات اكثر من قوى الغالبية. وهذا العامل لفت اليه أمس رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط مما يعني ان ثمة علامة استفهام كبيرة ترسم حول حقيقة الضخ الاعلامي الذي ساد في الاسبوع الماضي عن المصالحة بين "حزب الله" و"تيار المستقبل" في حين ان المعطيات الدقيقة، لم تكن توحي ان هذا المناخ مطابق فعلا للأفعال. وقد جاء حادث الاشتباك في بشامون أول من أمس ليكشف وقائع ميدانية مخالفة ايضا لهذا المناخ.
أما النقطة اللافتة في سياق الملاحظات التي أبرزتها هذه الاوساط فتتعلق بتوقيت الحشود وتزامنها مع سفر رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى الولايات المتحدة، من جهة، وسفر رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الى المملكة العربية السعودية من جهة أخرى. وهو أمر لا تجزم الاوساط باحتمال ان يكون واحدا من مجموعة رسائل سورية قد يراد عبرها أن تصل الى المعنيين لتذكيرهم بالنفوذ السوري ووجوب عدم تخطي "موجباته"، لكنها لا تسقط ايضا هذا العامل من الحساب خصوصا ان الاطلالة الدولية الاولى للرئيس سليمان تشكل نقطة اهتمام حتمية لدمشق لمعاينة طبيعة المحادثات التي سيجريها سليمان مع الادارة الاميركية خلال هذه الرحلة.
غير أن المفارقة الاخرى في هذا السياق هي أن أوساطا ديبلوماسية عربية وأجنبية في بيروت اهتمت بتقصي خلفيات هذا التحرك السوري، لم تبد قلقا كبيرا من امكان ان يتجاوز اطار الرسالة السياسية في حال اتصالها بالوضع اللبناني، لكن دون أن تتجاوز هذه الحدود الى مخاوف من تدخل عسكري او توغل سوري نحو لبنان. وتستبعد هذه الاوساط تماما ان يكون هناك أي اتجاه سوري الى تدخل مماثل لأن لا الظروف الاقليمية والدولية واللبنانية تسمح بذلك، ولا ثمة معطيات تشير الى ان القيادة السورية هي في طور التورط مجددا في لبنان. وتعتقد هذه الاوساط انه ما دامت سوريا تعتقد ان نفوذها في لبنان مؤمّن عبر حلفائها وعبر عودة بعض المؤشرات التي تريحها على مستويات خارجية ولبنانية عدة، فانها لن تتورط في مغامرة خطيرة ومنزلق من هذا النوع. ولذلك لا بد من الانتظار بعض الوقت لرصد حقيقة هذه التحركات التي يفترض، في رأي هذه الاوساط، عدم اسقاط العوامل السورية الداخلية في توقيتها وحجمها ايضا.
وربما تكون الرسالة السورية من ذلك موجهة الى الخارج الدولي ومفادها ان سوريا تقوم بما عليها من ضبط الحدود مع لبنان، خصوصا في ضوء التقارير الدولية التي صدرت اخيرا وأكدت استمرار تسلل الاسلحة والتهريب عبر الحدود السورية الى لبنان.