حشدت 10 آلاف جندي على الحدود تمهيداً للتوغل 40 كيلومتراً نحو طرابلس
سوريا تبحث عن تفويض غربي لاحتلال شمال لبنان
شكلت التحركات العسكرية السورية عند الحدود الشمالية للبنان إشارة واضحة إلى أن نظام دمشق تستعد لعمل ما، وأنه قاب قوسين أو أدنى من إجراءات تستهدف لبنان، وإن كانت مصادر سورية رفيعة أبلغت إلى قيادات لبنانية حليفة لها أن هذه الإجراءات هدفها ضبط الحدود ومنع التسلل والتهريب.
لكن نوعية الإجراءات الميدانية وحجم الانتشار العسكري والمواقع التي تم استحداثها ونوعية العتاد والآليات العسكرية التي استقدمت إليها، شكلت كلها رداً واضحاً على تلك المزاعم بأن هدفها هو منع التهريب أو منع التسلل عبر الحدود.
ولهذا فإن ما يتردد في بعض الأوساط السياسية اللبنانية القريبة من سوريا عن ارتياح سوري للمرحلة المقبلة، إنما يعبر بالتالي عن وجهة النظر السورية ويكشف بعضاً من خيوط الحركة السورية على الحدود.
وينقل بعض الذين زاروا دمشق خلال الأيام الماضية عن مسؤولين كبار أنهم يستعدون لتغييرات كبيرة في المنطقة تسمح لسوريا باستعادة دورها في لبنان، وطمأن هؤلاء حلفاءهم على أن عليهم ألا يقلقوا من المرحلة المقبلة وأن الانتخابات النيابية لن تكون كما حصلت في العام 2005 لأن الظروف كلها تغيرت ولأن سوريا جاهزة لمنع خسارة حلفائها هذه المرة وأنه سيكون لها دور مباشر في التأثير على الناخبين من أجل ضمان فوز حلفائها في الانتخابات.
وبحسب الكلام المنقول عن المسؤولين السوريين فإن دمشق تستعد لمرحلة جديدة عنوانها التغييرات التي يمكن أن تحصل بعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، فضلاً عن أنها تريد تحصين أوضاعها وتجميع النقاط على الأرض في الوقت الأميركي الضائع، ولهذا فإن التحركات العسكرية السورية عند الحدود الشمالية هدفها ممارسة ضغوط نفسية بالترهيب على اللبنانيين، من أجل فرض تغيير في مواقفهم التي تجلت في ثورة 14 آذار.
مصادر سياسية رفيعة في لبنان أكدت أنها تربط التحركات العسكرية السورية بالأجواء التي تحاول دمشق ترويجها منذ فترة في المجتمع الدولي عن تحول منطقة الشمال اللبناني وعاصمته طرابلس إلى قاعدة للتطرف الإسلامي، الذي يهيئ الأرضية الصالحة لتسلل تنظيم القاعدة إلى الشمال على غرار ما حصل في مخيم البارد، عندما سيطر تنظيم "فتح الإسلام" على المخيم وجرت مواجهات عنيفة بين مسلحي التنظيم في المخيم وفي أحياء متفرقة في طرابلس مع الجيش اللبناني وأدت إلى خسائر جسيمة في صفوف الجيش والقضاء على التنظيم الذي فر منه زعيمه شاكر العبسي، فضلاً عن تدمير المخيم تدميراً شاملاً.
وقد بذلت العاصمة السورية جهوداً كبيرة من أجل تسويق فكرة وجود تطرف إسلامي في شمال لبنان يهدد الأمن ليس في لبنان فقط، وإنما قد يصبح جاهزاً للتصدير إلى أوروبا والغرب، وذلك بهدف حصول النظام السوري على تفويض دولي للتدخل مجدداً في لبنان من أجل التخلص من هذه الظاهرة الإرهابية.
وكشفت المصادر اللبنانية عينها عن اقتراح كانت تقدمت به دمشق إلى فرنسا ويقضي بالسماح للجيش السوري بالتوغل في الأراضي اللبنانية شمالاً مسافة أربعين كيلومتراً، وهي مسافة تضع مدينة طرابلس العاصمة الثانية للبنان، ضمن تلك المسافة حيث أن المدينة تبعد عن الحدود مسافة لا تزيد عن 30 كيلو متراً، ما يعني أن الاستراتيجية السورية هدفها وضع عاصمة الشمال تحت الوصاية السورية بحجة التخلص من الإرهاب الإسلامي.
وكشفت المعلومات أن الرئيس السوري بشار الأسد حاول الحصول على دعم فرنسي مباشر لهذا التوغل، على أن تتولى فرنسا إقناع الولايات المتحدة الأميركية بأهمية هذه الخطوة وحيويتها في تأمين مصالح الإدارة الأميركية في حربها على الإرهاب، الذي قد يحول الشمال اللبناني إلى مصدر للمقاتلين والعمليات التي تستهدف الولايات المتحدة في العراق خصوصاً، وفي مختلف أنحاء أوروبا، باعتبار أن طرابلس تقع على حوض البحر الأبيض المتوسط وهذا ما يجعلها بوابة بحرية مهمة نحو أوروبا والغرب.
وتشير المعلومات إلى أن فرنسا لم تبد ترحيباً بالعرض السوري وهي طلبت من دمشق أن تتوقف عن التدخل بالشأن اللبناني وتكليف الجيش اللبناني مهمة ضبط الأمن في لبنان ومنع تحول أي منطقة فيه إلى بؤرة للإرهاب.
لكن العرض السوري لا يزال قائماً وهو يحاول تكريس المخاوف من وجود حالة إسلامية سلفية متطرفة، ولهذا فإن المصادر اللبنانية تتوجس خيفة من استمرار المحاولات للعبث الأمني على غرار الأحداث التي شهدتها مدينة طرابلس بين السنة والعلويين، والتي جرت في خلالها محاولة لتضخيم حجم الحالة السلفية من أجل استعمالها كوسيلة لترهيب المجتمع الدولي وترغيبه بالعرض السوري للتدخل في لبنان.
ومع أن المصادر السورية كانت تشدد أمس على أن هدف الانتشار العسكري هو منع التهريب، فإن المعلومات الميدانية التي توافرت عن حجم هذا الانتشار تشير إلى أنه يتجاوز في أهدافه الحقيقية تلك الحجة, لأنه كيف يمكن تفسير دور الدبابات والآليات وأكثر من عشرة آلاف جندي في منع التهريب؟ ولماذا استقدام الوحدات الخاصة لهذا الغرض؟ ولماذا استفاقت سورية اليوم على عمليات التهريب التي تقدم هي نفسها تسهيلات كبيرة للكثير من حلفائها من أجل تأمين التمويل لحركتهم السياسية في لبنان؟
وأشارت المعلومات إلى أن الوحدات الخاصة السورية انتشرت بشكل كثيف على طول الحدود اللبنانية الشمالية من نقطة العريضة على البحر وصولاً إلى أعمق نقطة برية شمالية قرب بلدة أكروم ومنطقة وادي خالد وبمحاذاة النهر الكبير الجنوبي الذي يشكل حدوداً طبيعية بين البلدين.
وأكدت المعلومات أنه تم استحداث أكثر من سبع نقاط تمركز كبرى تحولت إلى معسكرات، خصوصاً على التلال القريبة من الحدود ووضعت سياجاً حولها وتم تعزيزها بالدبابات والمدفعية الثقيلة ومن مختلف العيارات فضلاً عن الآليات المتنوعة.
وأشار شهود عيان في الجانب اللبناني من الحدود إلى أن الآليات السورية تقوم بحركة دائمة قريباً من الحدود وأن أصواتها تسمع بوضوح في الجهة اللبنانية، وهي تركت مخاوف كبيرة من الأهالي نظراً لوجود تداخل كبير وشائك جداً في العديد من المناطق والقرى.
وبحسب المعلومات، فإن الجيش السوري لم ينه حتى أمس عملية انتشار وحداته، وهو يستقدم مزيداً من التعزيزات ويقيم المزيد من المراكز العسكرية والمواقع المتخصصة بالرصد وتمركز الآليات العسكرية، وهذا ما ينفي المعلومات حول عديد هذه القوات ويرفع التقديرات إلى أكثر من عشرة آلاف جندي يريدون فقط وقف التهريب على الحدود، من دون أن يحصل أي انتشار آخر على بعد أمتار قليلة لجهة الحدود الشمالية الشرقية التي تربط بين منطقة الهرمل اللبنانية ومنطقة حمص في الجانب السوري.