#adsense

لبنان: المصالحات والاعتذار والحوار

حجم الخط

لبنان: المصالحات والاعتذار والحوار

الإكثار في الحديث عن المصالحات في لبنان لا يعني ان الأطراف تتجه الى بلورة حد ادنى من القواسم المشتركة تتيح استعادة الدولة لدورها وتحفظ حق الوطن في السيادة والمواطن في حياة كريمة. لا بل يمكن القول إن هذه الاهداف ليست غرض المصالحات. اذ ان كل طرف فيها، حتى الآن، يسعى الى اهداف تخصه وحده وتحقق اغراضه، ويغيب عنه الهم الذي قد يجمعه مع الآخرين.

وحتى تقنيا، تخرج هذه المصالحات عن آلية اتفاق الدوحة الذي حدد الحوار الوطني، برعاية رئيس الدولة، مكانا للتوافق على ارساء السلم الاهلي. وهو الحوار الذي من المفترض ان تكون نتائجه ملزمة للجميع، في حين ان المصالحات الثنائية لا تلزم، وفي احسن الاحوال، الا موقعيها.

سلسلة المصالحات بدأت في الشمال حيث اعتبرت المواجهة بين السنة والعلويين، بهدف وقف الاشتباكات المسلحة بين منطقتي سكن كل من الطرفين. وانتقلت الى الحزب التقدمي الاشتراكي و «حزب الله» بعد لقاءات بين الاول وحركة «امل»، اي الى ما بين الدروز والشيعة. وربما يستقبل اليوم رئيس تيار «المستقبل» سعد الحريري وفدا من «حزب الله»، تمهيدا لاجتماع بين الحريري والسيد حسن نصرالله، تتويجا لمصالحة بين السنة والشيعة. وذلك في الوقت الذي قدم «التفاهم» الشهير بين التيار الوطني الحر و «حزب الله»، بمثابة مصالحة مسيحية – شيعية.

وبغض النظر عن اهداف كل طرف من هذه الاطراف وراء اختيار نوع المصالحة التي اقدم عليها والطرف الذي ينبغي التصالح معه، يبقى ان المصالحة المسيحية – المسيحية (اي بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر) ما تزال تتعثر وتتعقد. وثمة من لا يستبعد زيادة الاضطراب، وحتى العنف، بين الاطراف المسيحيين.

وفي انتظار ان يصل الحوار الوطني، برعاية رئيس الجمهورية، الى هدفه الذي ما زال بعيد المنال، اي التفاهمات الملزمة للجميع، تتعارض الوقائع في «الساحة» المسيحية مع اجواء المصالحات في «الساحات» الاخرى، مع التشديد على محدودية نتائج مثل هذه المصالحات وغرضها.

وجاء «الاعتذار» الذي قدمه الدكتور سمير جعجع عن ممارسات «القوات» خلال الحرب، ليكشف مكامن الخلل في هذه المصالحات وفي الحوار الوطني، لا بل حتى في الاتفاق المؤسس للجمهورية الثانية، اي اتفاق الطائف. فمن توقيت الاعتذار والردود عليه، يظهر ان احدا من الذين شاركوا في ممارسات مماثلة ومن طالبي المصالحات يعتبر ان سيرته قابلة للمناقشة، وان سياسته قابلة للمراجعة. هذا ما حصل، بُعيد الطائف، خصوصاً مع العفو العام الذي اسقط الجانب الجرمي عن كل هذه الممارسات. واضطر عهد الوصاية السورية، حينذاك، الى تلفيق تهمة تفجير كنيسة لجعجع من اجل استثنائه من العفو واعادة محاكمته على ممارساته، وهو الذي أجبر على خوض «حرب الالغاء» في مواجهة الجنرال عون، من اجل تمرير اتفاق الطائف بين المسيحيين. اي ان الطرف المسيحي الذي دفع التكاليف الباهظة من اجل اتفاق الطائف هو نفسه اليوم الذي قد يدفع ثمن المصالحات الجارية، خصوصا عبر مساع لـ «تحييد» ما أمكن من جبهة حلفائه في 14 آذار، وليصبح وجها لوجه مع جبهة خصموم مسيحيين، تمتد من التيار العوني، مرورا بالمردة، وصولا الى تشكيلات حزبية في 8 آذار. واذا كان ثمة تركيز على هذه الجهة المسيحية بالذات، فلأنها كانت عصبا اساسيا في الحرب الاهلية وما زالت تستقطب القدرة على الاعتراض.

كان يجدر، من اجل تأسيس سليم لوفاق وطني، ان يشمل الاعتذار كل القوى التي شاركت في الحرب، وألا يكون العفو العام هو البديل عن قيام كل طرف بإعادة تقويم تجربته وتصويبها في اتجاه التلاقي مع الآخرين. وعندما صدر، متأخرا، عن جعجع وحده، لم يرَ فيه خصومه إلا إدانة جديدة له في الوقت الذي كان يُفترض ان يكون مثل هذا الاعتذار مدخلا، اخلاقيا وسياسيا، للحوار الوطني. وهذا مؤشر سلبي لقدرة هذا الحوار على الخروج بالتوافق المطلوب.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل