لقاء سليمان بوش في ظل الحشود العسكرية السورية
ربما أصبح من المستحيل رسم، أو حتى مجرد تصور مسار واضح لتطور الواقع السياسي في لبنان، فبرغم المصالحات التي جرت في أكثر من منطقة وبين أكثر من ثنائية متصاعدة سياسياً أو مذهبياً وبرغم التصريحات الايجابية الصادرة عن المسؤولين السياسيين الداعية الى اتخاذ كافة الاجراءات لدرء الفتنة، وبرغم الجهد الذي تبذله لجنة الإدارة والعدل النيابية لإنجاز قانون الانتخاب الذي يشكل أحد مسببات التوتر السياسي فإن التهدئة المنشودة بعيدة المنال ودفعها أكثر من علامة استفهام·
إن الهاجس الماثل دائماً في اللاوعي السياسي اللبناني، على مستوى القيادات كما على المستوى المجتمعي يتلخص في التسليم بقصور المعالجات الداخلية رغم المؤسسات الدستورية ولاحقاً بالاحتكام الى الانتخابات النيابية، ويدفع للبحث عن الأسباب خارج الحدود من خلال معطيات اقليمية قريبة أو متوسطة أو بعيدة المدى، تعبر عن الفراغ الاستراتيجي الناجم عن اختلال ميزان القوى الدولي·
مما لا شك فيه ان منطقة الشرق الأوسط تعيش حالة من عدم التوازن ناتجة عن عدم قدرة الولايات المتحدة على الامساك بشكل نهائي بأية ساحة من ساحات الصراع المفتوحة في العراق وأفغانستان، أو تلك القابلة للاشتعال في باكستان، وفشلها في دفع المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية الى تحقيق الحد الأدنى من التقدم· وهذه الحالة تزداد تفاقماً مع الصعود الروسي الجديد الذي بدأ يستعيد مجاله الحيوي ويوقف التمدد العسكري لحلف الناتو من خلال توسيع دائرة تأثيره الى الاقاليم التي تتناغم معه اثنياً· وفي محصلة التداعي الأميركي يبدو واضحاً ان تعثر مشروع الشرق الأوسط الجديد الأميركي يستولد مشروع شرق أوسط آخر بحلة روسية – ايرانية – سورية، وبأدوات اسلامية جهادية سلفية تنفذ مجموعة من الأحداث بدءاً من تفجير فندق الماريوت في اسلام آباد، وارتفاع حدة الخطاب للرئيس أحمدي نجاد وتهديده باقفال مضيق هرمز، وتصاعد العمليات الارهابية في العراق، وفشل مصرفي رعاية مفاوضات فتح – حماس· وأخيراً وليس آخراً اختطاف مجموعة من السياح الاجانب على الحدود المصرية السودانية وارتفاع موجة العنف في اليمن·
وفي هذا السياق تطرح التعزيزات العسكرية السورية على الحدود الشمالية أكثر من علامة استفهام لجهة تزامنها مع زيارة الرئيس ميشال سليمان الى الأمم المتحدة وبعدها لقاء الرئيس جورج بوش أو لجهة انسابها مع موجة العنف من اسلام آباد الى بغداد الى فلسطين المحتلة أو مع الحرب على جورجيا·
إن ربط التعزيزات والحشود العسكرية السورية بالتحذير الذي أطلقه الرئيس بشار الأسد في موضوع الحركات السلفية في طرابلس يبدو هزيلاً، لا سيما انه لم يسجل أي حدث أمني ذو دلالة يمكن الاستناد اليه للقول انه للقاعدة أو لسواها من المنظمات السلفية خلايا في شمال لبنان، وان حادث التفجير الذي حصل خلال الشهر المنصرم وأدى الى استشهاد مجموعة من العسكريين لم يتم تبنيه من قبل أي تنظيم اسلامي، بل على عكس ذلك تم استنكاره كما تمت الدعوة الى اتخاذ أقصى ما يمكن لوقف التعديات على الجيش، هذا بالاضافة الى ان جميعك الحركات الاسلامية في طرابلس أبدت تجاوبها مع المصالحات التي أجراها الشيخ سعد الحريري، كما أبدت التزامها النهائي مشروع الدول المدنية، وبحصري الدور الأمني للمؤسسات الشرعية وهذا ما أفشل أية محاولة لتكوين أي هدف يمكن البناء عليه لتبريراته عملية عسكرية أو أي حشد عسكري!!
من جهة أخترى، كيف يمكن تبرير هذه الحشود العسكرية بعد قمة رئاسية خلال الشهر المنصرم في دمشق صدر في نهايتها بيان مشترك التزم بدعم الرئيس سليمان واجراء تبادل ديبلوماسي بين البلدين؟
أما من الناحية التقنية فإنه لا يمكن التسليم بأن هذه الحشود التي قدرت بعشرة آلاف جندي من الوحدات الخاصة، انما نشرت لمعالجة موضوع أمني داخلي في سوريا وذلك دون جراء أي نوع من التنسيق مع الجانب اللبناني الذي يرتبط بمواثيق واتفاقات مع سوريا ترعى الشأن الأمني والدفاعي!! فهذه القوى وفقاً لموضعها الحالي انما تتمسك بنقاط حاكمة وتمتلك ميزات تكتيكية تفاضلية تعزز ميزان القوى لصالح الجيش السوري في مواجهة قوة نظامية أخرى، أو تؤمن استعراضاً للقوة يهدف الى تحقيق <انجاز ما>، أو الى التهديد بتحقيقه بوسيلة أخرى أكثر عنفاً· وأكثر من ذلك ماذا لو تطور الموقف المتعلق بالشأن الأمني الداخي في سوريا واقتضى ذلك اقفال الحدود أو تسيير دوريات داخل القرى الحدودية اللبنانية أو توقيف بعض المواطنين اللبنانيين بتهم مختلفة ألا يستدعي ذلك التنسيق مع الجانب اللبناني؟!
ان الحشود العسكرية السورية ربما تهدف لإيصال رسالة الى الإدارة الأميركية خلال انعقاد لقاء بوش – سليمان بأن الساحة اللبنانية ليست بمنأى عن التدخل العسكري السوري، وان أي بيان سيتناول القرار 1701 وسلاح المقاومة ومسار وضع مزارع شبعا تحت وصاية الأمم المتحدة يجب ألا يسقط من الحسبان المصالح السورية والأجندة السورية، وان أي قرار لا يراعي هذه الاعتبارات سيعرض لبنان برمته الى تداعيات تتجاوز اقفال الحدود وقد تصل الى حدود التدخل العسكري المباشر وان الذرائع لتنفيذ ذلك سهلة التحقيق، فهل يعود الوضع على الحدود الشمالية الى ما كان عليه بعد عودة الرئيس سليمان من الولايات المتحدة ويتوقف معه الموضوع الأمني الداخلي في سوريا؟ هذا ما ستكشفه الأيام القليلة المقبلة·