"المصالحة" في طرابلس والبقاع وبين "المستقبل" و"حزب الله" ومصالحة الجبل.. ومقاربة جعجع لـ"المصالحة المسيحية"
"فض اشتباكات" يعيد للدولة دورها.. لصراع سياسي ديموقراطي
ثمة، في الأسابيع الماضية، مقاربةٌ ملتبسة بل خاطئة لمفهوم المصالحة، في غير مجال سياسي وإعلامي.
تعريف المصالحة الفعلية
المصالحة هي تتويجٌ لعملية مراجعة للمرحلة السابقة، تطوي ـ أي المراجعة ـ صفحة الماضي وتؤسس للمستقبل على قاعدة خيارات وطنية ومشتركات وتسويات. وبهذا المعنى، أي وفقاً لهذا التعريف للمصالحة، يصحّ القول إن المصالحة تلي حواراً كالذي يرعاه رئيس الجمهورية ميشال سليمان، فإن توصّل هذا الحوار التى تفاهمات وطنية تليه مصالحة تتأسس على تلك التفاهمات.
إنطلاقاً من هذا التدقيق، ما الذي جرى في الأسابيع الماضية وما الذي يمكن أن يجري في الأيام المقبلة، على صعيد ما يسمى مصالحات؟
الحريري يفض اشتباكات
ذهب رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري الى طرابلس والبقاع حيث رعى "مصالحة" في عاصمة الشمال وحصّن "مصالحة" أخرى في سهل لبنان، وعاد منهما مؤكداً ثباته على خطّه ونهجه السياسيين وتمسّكه بتحالف 14 آذار ومشروعه السياسي. في الذهاب والإياب أكد الحريري أنه هوَ هوَ سياسياً ووطنياً. وما فتئ منذ أيام، وعشية لقاء مرتقب مع وفد من "حزب الله" في قريطم يمهّد للقاء بينه وبين السيد حسن نصرالله، يكرّر أن "المصالحة" لا تعني تحالفاً جديداً أو تبديلاً في التحالفات أو تنازلاً عن الثوابت.
إذاً، ماذا فعل سعد الحريري في طرابلس والبقاع، وماذا سيفعل مع "حزب الله"، بما أنه يميّز بين "المصالحة" وبين التحالفات السياسية، بين المصالحة والاتفاق السياسي؟
ببساطة، إن ما قام به زعيم "تيار المستقبل" وما يستعدّ للقيام به، هو أشبه بعملية "فض اشتباك" عسكري ـ أمني بين جهات ومناطق شهدت فتناً دامية، أي عملية تؤدي الى منع الاحتكام الى السلاح والعنف وتمكّن الدولة بقواها الأمنية الشرعية من استعادة دورها. أي حقن الدماء ومنع الفتن وتحقيق نسبة من الاستقرار الأمني من أجل أن يعود الصراع السياسي الى سياقه الطبيعي، أي السلمي الديموقراطي. فالحريري لا يبحث عن إلغاء الصراع السياسي الطبيعي بل البديهي، ولا يبحث في إطار ما يقوم به عن مصالحات سياسية ثنائية بالمفهوم الدقيق للمصالحة، لكنه يسعى الى إعادة الأمور الى طبيعتها المفترضة.. لأن الصراع السياسي لا يتوقف فيما هدر الدماء يجب أن يتوقف.
.. و"التقدمي" كذلك ومن موقع 14 آذار
الأمر نفسه ينطبق على لقاء "المصالحة" الذي عقد في دارة الوزير طلال أرسلان في خلدة بين "الحزب التقدمي الاشتراكي" و"حزب الله". في الجبل، سالت دماء في أيار الماضي، وفي الجبل كانت مؤشرات كثيرة تفيد أن الفتنة "تحت الرماد". وكان هدف "لقاء خلدة" إعادة الأمور الى طبيعتها في هذه المنطقة من لبنان أي تأكيد "سلام" هذه المنطقة في ظل الصراع السياسي الطبيعي والبديهي في البلاد.
وكان واضحاً تماماً ما قاله الوزير وائل أبو فاعور يومذاك باسم الوفد الاشتراكي، بناء على موقف رئيس الحزب وليد جنبلاط من أن الحزب أتى الى اللقاء من موقع 14 آذار وتحالف 14 آذار. أي أن "المصالحة" هنا تعني "تبريد الأرض" ولجم الفتنة من أجل أن يعود الصراع السياسي الى الجادة السلمية والديموقراطية.
جعجع وشروط سياسية لمصالحة سياسية
وحقيقة الأمر، في ضوء ما تقدم، أن ما ظل ملتبساً من مفهوم المصالحة، تولى رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع توضيحه الأحد الماضي في معرض تناوله موضوع "المصالحة المسيحية".
كان طبيعياً أن يضع جعجع شروطاً لحصول تلك المصالحة. فبما أن المصالحة ـ بتعريفها ـ عملية سياسية، كان منطقياً أن يضع لها شروطاً سياسيّة، هي في الواقع تعبير عن قناعاته في كيفية حصولها، أي على أي قواعد سياسية.
يقيناً إن جعجع لا يرفض "فض إشتباكات" في أي منطقة مسيحية، لكنه يرفض تسمية "فض الاشتباك" مصالحة، ويرى أن للمصالحة بمعناها الفعلي شروطاً سياسية لا بد من توافرها.
الدولة
إلامَ تقصد هذه المقدّمات جميعاً؟
هي تهدف أولاً الى القول إن ما جرى من "مصالحات" وما يمكن أن يجري منها، هو في حقيقته عمليات "فض اشتباك" من أجل محاصرة الفتن وحقن الدماء.
وتهدف ثانياً الى القول إن هذه "المصالحات" إنما غايتها ـ من جانب أركان 14 آذار ـ تأمين مناخ من الهدوء والاستقرار وتمكين الدولة بمؤسساتها من الاضطلاع بأدوارها.
وترمي ثالثاً الى تأكيد أن تلك "المصالحات" هي من أجل صراع سياسي سلمي وديموقراطي في رحاب الدولة.
القانون والدستور "ينظمان" الخلاف
وتقصد رابعاً تسخيف نظرية بعض 8 آذار القائلة إن لـ"المصالحات" وظيفة هي "تنظيم الخلاف السياسي". ذلك أن ما يسمّى "تنظيم الخلاف" مسؤولية الدولة ومؤسساتها، أي أنه منحكمٌ أصلاً الى القانون والدستور. و"المصالحات" بهذا المعنى هي من أجل "العودة" الى قواعد القانون والدستور.
وتتوخى خامساً التشديد على حقيقية أن المصالحة الحقيقية، أي بتعريفها المحدّد آنفاً، لا يمكن أن تكون ثنائية أو ثلاثية، بل تكون جماعية أو لا تكون أصلاً.
الصراع السياسي الديموقراطي
إن كل ما تقدّم، لا ينتمي الى محاولة إعادة الاعتبار لمفهوم المصالحة على حقيقته فقط، بل هو للتنبيه الى عدد من النقاط الرئيسية.
ثمة من جانب 8 آذار، بعضه أو كلّه، "هجمة" على 14 آذار بعنوان "المصالحة" ـ العنوان الملتبس لا الحقيقي ـ من الواضح أن هدفها ـ أي "الهجمة" ـ تطبيع الوضع على شروط هذا الفريق. وإذ يتمسك الفريق هذا بخطابه السياسي وبـ"كامل عدّته اللوجستيّة"، يبدو أنه يريد "أخذ" الهدوء من 14 آذار ليستمر هو في صراعه من طرف واحد، وإلاّ سيعتبر أن كل موقف يجري التعبير عنه نقضاً لـ"المصالحة" ومبرراً للتوتير. أي يكون عنوان "المصالحة" عندئذ نوعاً من الابتزاز.
كذلك، هناك "نيّة" مزدوجة قد تكون قائمة. التعاطي مع 14 آذار بـ"المفرّق". والالتفاف على طاولة الحوار بـ"الجملة". أي صيغة من صيغ فرض تعريف للهدوء والاستقرار من جانب واحد.
باختصار، لا يمكن إستبعاد أن يكون الفريق الآخر عازماً على "أخذ" مفاعيل "المصالحات" من دون حصول المصالحة الحقيقية والفعلية. ولا يمكن إستبعاد النية لدى هذا الفريق بـ"تقطيع الوقت" ووضع معايير من جانبه لـ"الالتزام بالمصالحات" بحيث يقرّر في لحظة معيّنة أن المعايير خُرقت وأن من حقّه الانقضاض مجدداً.. والبلاد في صميم مرحلة انتخابية.
المعيار
ومع ذلك، كانت المصالحات التي جرت، بما هي عمليات "فضّ اشتباك" ضرورية، والمصالحات التي ستجري ضرورية أيضاً بالمعنى نفسه.
غير أن هذه "المصالحات" وفيما هدفها النبيل هو محاصرة الفتن وحقن الدماء وصون السلم الأهلي، فإن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن نقل الصراع السياسي الى مرحلة سلمية آمنة يشكّل المعيار لنجاحها، كي يحسم اللبنانيون اختياراتهم ديموقراطياً في رحاب الدولة والمؤسسات والقانون والدستور. ولا يستقيم صراع سياسي سلمي وديموقراطي بالاحتفاظ بـ"عدّة التوتير".