#dfp #adsense

أمّ العجائب اللبنانية

حجم الخط

«أمّ العجائب» اللبنانية

فألاً حسناً للبنانيين في موسم المصالحات، أن يتوقف التراشق المسيحي – المسيحي عند حدود الرد بمناورة على ما وصِف بـ «مناورة» زعيم «القوات اللبنانية» سمير جعجع لدى اعتذاره عن «ارتكابات» بعضٍ من حزبه خلال الحرب الأهلية. أما سؤاله على ماذا يتوحد المسيحيون، فلا يحمّله وحده مسؤولية مصالحتهم المريرة، بمقدار ما يصنّفها في خانة الأصعب منالاً، حتى مما قد يسمى مجازاً المصالحة السنيّة – الشيعية.

بالطبع لا يفضل هذه التسمية زعيم «تيار المستقبل» النائب سعد الحريري، ولا الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله الذي لا يعتقد بأن فتنة سنية – شيعية باتت واقعاً، لو سُمِح بانتصاره لما بقيت دولة، يطمح هو الى أن تكون «قوية وعادلة»، فيما الحريري يريدها «قادرة مستقلة».

وإن كان أحد لا يمكنه إلا أن يتوقع مزيداً من الانفراجات والتهدئة، بعيداً من «القصف» العشوائي بالاتهامات والتخوين والتنكيل بالذمم وحشد الشوارع وراء معارك المصير اليومية، فالآمال بفوائد المصالحة بين «المستقبل» و «حزب الله»، لا سيما إذا تصافح الحريري والسيد نصرالله أو تعانقا، ستمنح الحوار الوطني في جلسته المقبلة زخماً يجدد ديناميكيته… أما ترقب نهاية لمعضلة الخلاف على الاستراتيجية الدفاعية فمسألة أخرى، دونها ألغام وشيطان التفاصيل، وأما توقع المصالحة المسيحية – المسيحية، «بالعدوى»، فدونه ما صنعه الحداد وأريد منه حِداد على لبنان الدولة والكيان.

التجارب علّمت اللبنانيين ألا يبذّروا في التفاؤل، وما يقال ببساطة عن رياح «التفاهمات»: حين يعِدوننا ببهجة، تأتي النكبة من وراء الحدود. إسرائيل أيضاً في بداية عهد حكومة ليفني ستحتاج الى تجريب عضلاتها، كم لبنانياً أمسك قلبه بيده حين خطِف السياح في مصر، وتنفس الصعداء حين تبيَّن أن ليس بينهم إسرائيلي (؟!) وأن البلد لن يدفع ثمن الانتقام.

ولأن التبذير في التفاؤل يقصّر المسافات الى مضاعفة النكسة وخسائرها، قد يكون حرياً باللبنانيين الى أي تيار انتموا أو حزب ناصروا أو جماعة يولّونها مصائرهم، على هامش كنف الدولة، مطالبة قادتهم بالامتناع عن التبذير في الوعود. فموسم المصالحات هو ذاته موسم التحضير لانتخابات، فيه من حق أي طرف، بداهةً، أن يحسِّن قواعده الشعبية أو يرممها – ولو لم يعترف – أو يجددها، كي يذهب الى صناديق الاقتراع في يوم الواقعة، مطمئناً الى حظوظه بالإمساك باللعبة أو بقلب اللعبة رأساً على عقب.

وما لا يخفى على الخصوم والحلفاء أن شريحة واسعة من اللبنانيين هي الفئة الصامتة، خارج التصنيف، تخشى أن تنقلب تلك «اللعبة» على رؤوس الجميع. أقل المخاوف أن يتمدد مسلسل التوتير الأمني ويتحول صدامات، تحول دون إجراء انتخابات الربيع. الأخطر من ذلك، أن يستعجل طرف محاولة نسف شرعية الاقتراع، بالطعن في صدقيته، إذا أدرك أنه خاسر أو متضرر… أي، خسارة مقعدين أو خمسة قد تمهد لـ «التمرد» على برلمان يُنتخب، بعد كل محنة إغلاق المجلس الحالي شهوراً.

خسارة مقعدين أو خمسة، بخسارة وطن وشرعية. هل من مبرر إذاً للتبذير في التفاؤل؟

سيكون اختبار أول لدى التصويت على قانون الانتخاب، فيما تهمة التزوير جاهزة، وبإسراف، وغالبية الأطراف تريد الاقتراع لإثبات قدرتها على كسب الغالبية النيابية التي ستمكّنها من «التحرر» من الثلث المعطل لدى تشكيل حكومة. والحال تنطبق على قوى 14 آذار و8 آذار بالتساوي.

هنا، ومع منطق الاحتكام الى السياسة والحوار، لا يستقيم بالطبع مع مقتضيات الديموقراطية، ادعاء الدفاع عنها ثم حساب عوائدها بمكيال المصلحة الحزبية أو الذاتية أو الخاصة بطرف ما، حتى إذا لم تجرِ الرياح، أطلق نفيراً باسم حقٍ ضائع وحشَدَ الجموع لاستعادة الدولة ممن «يخطفها».

هي أمّ العجائب الجديدة في التقاليد السياسية اللبنانية، حيث تجوز الديموقراطية حين تكون على مقاسنا، وتنقلب ديكتاتورية وتسلطاً وظلماً يستدعي التمرد، إذا غلّبت كفة الخصم. هو «إرث» جديد في ما بقي من حياة سياسية لبلد اخترع «الديموقراطية التوافقية» التي لا تنسحب حتماً على صناديق الاقتراع، وينبغي عدم الاستسلام لسحرها في كل لجنة دستورية أو أخرى لتعديل أي قانون.

الاختبار الصعب لبعضهم سيكون مع قانون الانتخاب، والمشكلة أن بين السياسيين من لا يزال يطلق التهديد والوعيد إذا لم تُلبّ رغباته، ظاناً أنه يقنع جمهوره بوجود مؤامرة لا تموت.

تحذير الحريري من «استدراج عروض لاشتباك مسيحي – مسيحي»، دعوة الى عدم التبذير في التفاؤل.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل