حرية التعبير من تنّور ابن المقفع الى محاولة اغتيال مي شدياق
هو نفسه تاريخ القتل، يتسلّل من بين دفتي كتاب، من تواريخ سبقت ومنذ قرون طويلة، «القتل»!! صدف ان الشاشات تعرض سيرة الخليفة ابو جعفر المنصور مؤسس الخلافة العباسية، وباني مدينة بغداد، هو نفسه باني هذا الصرح الحضاري أعطى ثلاثة عهود أمان وغدر بمَن أمّنهم: عمّه، وابو مسلم الخراساني، وابن هبيرة، كان القتل حلاً لكل مَن خرج عليه!!
وأدهى قتلة قتلها المنصور قتله وتنكيله بابن المقفّع الذي قطعه وألقاه قطعة خلف قطعة في التنّور وكان عبد الله ابن المقفع احد ابرز مثقّفي وبُلغاء العصر العباسي، الرجل الذي كتب رسالة الصحابة – وهي واحدة من أهم رسائل الاصلاح السياسي -، والأدب الكبير والأدب الصغير، ومُترجم كتاب كليلة ودمنة في أجرأ خطاب سياسي في وجه كل حاكم ظالم، وما اكثرهم وأظلمهم الى اليوم -، وعندما أرادوا وجدوا له تهمة الزندقة ونحلوه بيتين من الشعر في تقديس النار، والرجل رجل علم وعقل واذا قرأت صفاته في اعين اعدائه لأدركت على الفور لمَ قتل!!
لكل زمن تهمته، ولكل عصر وحكم قتلاه، منذ رمى المنصور ابن المقفع في التنّور لأنه كتب نص صك الأمان الذي استعان ابناء البيت العباسي بابن المقفع لبلاغته على كتابته، فاغتاظ المنصور لأنه أحكم ببلاغته امان النص فلم يترك له منفذاً الى قتل عمّه فاضطر الى سجنه محتالاً بأن النص لم يؤمنه على حريته، فسجن الأخير وقتله لاحقاً، وقتل الاول مقطّعاً اياه قطعة قطعة رامياً كل قطعة في التنّور لتلتهمها النيران!! قتل ابن المقفع في 1 نيسان عام 762م، والى اليوم ما زال القتل وسيلة لخنق كل صوت حُرّ جريء، أما نجاح المحاولة أو فشلها فعالقة في علم عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال!!
اما مناسبة تداعيات حرية التعبير هذه، فاليوم تمرّ علينا الذكرى الثالثة على محاولة اغتيال الزميلة الاعلامية مي شدياق، وحجم التذكّر او النسيان هو المقياس الذي يُحدّد إن كنّا أهلاً وجديرين بشهادة الشهداء، ام اننا سنخبر على طريقة الاغنية «راحوا.. متل الحلم راحوا»!! تحيّة الى مي شدياق وجراحها ويدها وساقها وصوتها الحرّ الذي تعالى على كل جراحه «بكل جرأة»..
اكثر بكثير من كسر جليد
قال رئيس كتلة الوفاء للمقاومة على باب دارة قريطم «اننا متصالحون» وأن اللقاء كان لقاء «مصارحة» – ونحن مع الإثنين – وهو اعتبر اننا مختلفون في السياسة، وما قيل على باب دارة قريطم مثلما كان يقول صاحب الدارة الشهيد: «هيدا كلام منو دقيق»!! بلى، نحن متخاصمون ومختلفون وليس في السياسة فحسب، ولم يعد عند اللبنانيين طاقة لاختراع تريد المقاومة ترويجه وتذويقه في أعيننا طارحة صياغة نموذج لبناني خليط من هانوي وهونغ كونغ.. «Sorry» هذا نموذج شديد التناقض يفرض على اللبنانيين أن يستمرّوا في لعبة السلّم والثعبان، فكلّما وصلوا الى لحظة الانتهاء من البناء تمّت اعادتهم الى الدمار!!
بالأمس سمعنا كلامين، كلام النائب محمد رعد، الذي أكد ان صاحب الدار كان يعرف كيف ينسّق بين الاعمار والمقاومة، ويومها كان التنسيق ضرورياً وكانت الارض محتلّة، ولكن بعد العام 2000 والتحرير، وبعد حرب تموز والقرار 1701 الذي قيل لنا ان الحزب رضي به لأنه كان يريد الوصول الى وقف اطلاق النار لماذا تريد المقاومة ان تفرض علينا هذا النموذج، في ظلّ استمرار التهديد الاسرائيلي المعلن والمسرّب عن تدمير بُنى الدولة كلّها هذه المرة، واستمرار «زقّ الصواريخ» من إيران التي يهمّها مخزون الصواريخ وعددها وحفر الأنفاق وتحويل لبنان الى دفاع اول عن ملفها النووي، فيما تكترث المملكة العربية السعودية لتعليم تلامذة لبنان وتأمين اقساط مدارسهم وكتبهم، اما سواها فأقصى طموحه تهجير اللبنانيين بعد تدمير بيوتهم الى غرف المدارس!!
وسمعنا من النائب سعد الحريري – ابن صاحب الدارة والمؤتمن على تراثها وارثها في البناء والاعمار والتعليم وابقاء لبنان في صدارة اهتمام الدول الكبرى – كلاماً في افطار الدارة بالأمس عن لقاء لكسر الجليد ومحو ما ملأ الصدور. يُدرك النائب سعد الحريري أكثر من سواه لأنه شعر بما شعر به أهل بيروت ربما، يُدرك أن ما يسعى إلى كسره أكثر من جليد غلّف القلوب، وأن عمق الجروح جعل القلوب «قاسية كالحجارة بل اشد قسوة» ربما من كثرة ما غلّت واحتملت وسكتت، تذويب الجليد يحتاج الى وقت وقد يسهم كسره في تذويبه.
ولكن، سمعنا في افطار قريطم بالأمس ما نريد سماعه بوضوح: الحفاظ على منجزات ثورة الأرز، وروح 14 آذار، والمحكمة الدولية، ووحدة 14 آذار مهما تباينت وجهات النظر حول التعاطي مع الأمور السياسية. هذا التباين الذي يريد البعض تصويره على أنه خلاف أو انشقاق أو نهاية لثورة 14 آذار، ولطالما كان مصدر اعتزازنا اننا نقدّم الصورة الحقيقية للعيش المشترك وللحوار الديموقراطي، والتآلف من ضمن ثوابت 14 آذار في حرية لبنان وسيادته واستقلاله والثبات على المطالبة بتوقيع العدالة على قَتَلَة شهداء لبنان، شهداء ثورة الارز الذين شيّعناهم واحداً تلو الآخر الاّ من أنجاه الله، ولم يلوِ القتل ذراعنا ولم يحن رؤوسنا وإن كسر شبابنا الشهداء ظهورنا بفقدهم الواحد تلو الآخر..
لا، لسنا متصالحين، ولا يحاولن أحد القفز فوق 7 ايار فيزيد الجليد قسوة وبرودة، ونريد أن نسمع – كمواطنين وكأهل بيروت لأننا تعرّضنا لهذه الغزوة والاعتداء واتهمنا بتُهم كثيرة – من حقّنا أن نسمع تفاصيل هذه المصارحة، فالمؤمن لا يلدغ من جحر تهم الحجرات المغلقة مرتين، ما زلنا نذكر الورقة التي عرضها على الشاشة المعاون حسين خليل بـ«اخطائها الاملائية» للتدليل على خيانة سعد الحريري!! «Sorry» الناس عندها ذاكرة، وقد جرّبنا سابقاً المصالحات الناعمة الملمس التي تتلوها كوارث والتبريرات دائماً جاهزة!!