قصة التنصُّت مع الوزير باسيل: قرارات مستغربة تُعرقل الإستقرار… لماذا؟
جيِّد أن يطرح وزير الإتصالات أرقاماً خليوية مميَّزة في مزادٍ علني، فهذه الخطوة تدر موارد على خزينة الدولة، وجيِّدٌ أن يوقف منح الأرقام المميّزة عشوائياً، لكن هل هذه هي مهام وزارة الإتصالات؟
وما هو هذا الجهد الجبَّار الذي يقوم به؟
فبإمكان أي مواطن عادي أن يطرح رقماً مميَّزاً، يملكه، في مزاد علني.
لن نزيد التعليق كثيراً على هذا الإجراء لأن فيه من السَخافة ولا يستحق، فقط نقول إنّ وزير الإتصالات يقوم بخطوات على طريقة (القنابل الدخانية) لحجب قرارات سلبية إتخذها أقل ما يُقال فيها إنّها تُهدِّد الأمن الوطني أو على الأقل تُعرقِل سير الإستقرار الأمني.
* * *
ما هي القضية التي نحن في صددها؟
المعروف في كلِّ دول العالم، المتحضِّرة منها والمتخلِّفة، أن التنصت على الهواتف الثابتة والخليوية يُشكِّل نحو تسعين بالمئة من معلومات الأجهزة الأمنية، أما العشرة في المئة المتبقية فمصدرها المخبرون.
بهذا المعنى لم تَعُد وزارة الإتصالات مجرد وزارة خدماتية بل سيادية بإمتياز، ليس في لبنان فحسب بل في كل دول العالم حيث الإرهاب يقض مضاجع الأنظمة من دون إستثناء.
بعد هجمات 11 أيلول أتاح الكونغرس الأميركي مسألة التنصُّت حتى من دون قرار قضائي.
الجريمة التي وقعت في دبي كشفها التنصُّت وتعقُّب المكالمات.
العصر أصبح عصر سرعة، المخبرون فعّالون لكن عملهم بطيء قياساً بسرعة الإتصالات الهاتفية، فبإمكان خليّة إرهابية في واشنطن أن تتلقى تعليمات من أفغانستان لتتحرك بعد دقائق، فإذا كان تعقُّب المكالمة يحتاج إلى قرار قضائي، فإن العملية تتم قبل أن تصل الموافقة القضائية.
* * *
الأجهزة الأمنية اللبنانية وتحديداً قوى الأمن الداخلي المدركة والواعية والمنفذة على الأرض ومنذ بدأت مرحلة الإرهاب بالإغتيالات والتفجيرات والاعتداءات، أدركت أهمية وحيوية مسألة التنصُّت، فعملت عليها وفق الآلية التالية:
– الطلب من القضاء المختص الموافقة على التنصُّت على عصابات التهريب وسرقة السيارات وصولاً إلى الشبكات الإرهابية.
– وضع (داتا بيز) تتضمَّن بشكل أوتوماتيكي الأرقام المطلوب إخضاعها للتنصُّت، هذا الإجراء كشف أكثر من عملية إرهابية وأدى إلى تفكيك أكثر من شبكة، من مخيّم نهر البارد إلى مخيم عين الحلوة مروراً بما كان يجري في أكثر من منطقة لبنانية.
هذا الإجراء أوجع الشبكات الإرهابية فكان ردّهم إنتقامياً ممن كانوا يتولون هذا الملف:
محاولة إغتيال المقدم سمير شحاده، ثم إغتيال النقيب وسام عيد الذي كان خارق الذكاء في مجال تعقُّب المجرمين.
* * *
مع تشكيل الحكومة الجديدة، فوجىء العاملون على خط تعقُّب الشبكات الإرهابية والمجرمين، أي الجهات الأمنية الساهرة، بقرار صاعق، غير مبرَّر، من وزير الإتصالات، بوقف العمل بتقنية (الداتا بيز) وفرض موافقة مسبقة على كل خط يُراد إخضاعه للتنصُّت، هذا (الروتين) من شأنه أن يُفرِح شبكات الإرهاب، وإن لم يقصد الوزير المذكور ذلك، كما من شأنه أن يُعرقِل سير تعقُّب الإرهابيين والعصابات.
وحسب مصادر واسعة الاطلاع، الأجهزة المختصة لن تسكت عن هذه العرقلة غير المبرَّرة بل ستعمد إلى مراجعة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، للعودة عن هذا القرار الجائر الذي يصب في خانة (خدمة المجرمين).
* * *
لو أن التنصُّت اليوم يحصل كما كان يحصل في العهد السابق، ولنا صولات وجولات في هذا المجال ولدى جهاز أمني واحد متخصص حينذاك ليس فقط بالتنصُّت بل بالإبتزاز، لإعتبارات شخصية ومنفعية، لكانت المطالبة به غير محقة، أما أن يكون محصوراً بتعقُّب الإرهاب وتجري عرقلته، فهذا يستدعي تحركاً عاجلاً للعودة عنه، وإذا لم يحصل هذا الأمر فليُطرَح بكل شفافية على الرأي العام ليُشكِّل قوةً ضاغطة لإعادته، فالشعب اللبناني إكتوى بالإرهاب والتفجيرات ويريد التخفيف منها لا تماديها.