"حزب الله" في قريطم: عندما تدُخل المنازل من أبوابها
"المصارحة" تقتضي مراجعة مناخات ما بعد حرب تمّوز
المنازل تدخل من أبوابها، وفي وضح النهار. بهذا المعنى يمكن الترحيب بزيارة الوفد القياديّ من "حزب الله" إلى قريطم، ولقائه رئيس "تيّار المستقبل" النائب سعد الحريري. صحيح أنّ وقتاً طويلاً سيمرّ قبل أن يفرز الخطاب السياسي والإعلامي لـ"حزب الله" محاولة توفيقية مبتكرة لوصف ما حصل في أيار الفائت وبما من شأنه التأليف بين القلوب، إلا أن الزيارة في حدّ ذاتها تحمل في طيّاتها طابع "التصويب" لخطوات سابقة حاول خلالها "حزب الله" إيجاد بدائل تعوّض انقطاع الاتصال المباشر بين التشكيلين الرئيسيين على الساحتين السنية والشيعية وتداوي الفتنة المذهبية، ولم تكن النتيجة نافعة بل انها غالباً ما كانت ترفع من منسوب الفتنة.
أوّل الغيث إذاً الإقرار المتبادل بالحجم التمثيلي الأكثري لـ"تيار المستقبل" على الصعيد السنّي ولثنائي "حزب الله ـ حركة أمل" على الصعيد الشيعي. والكلّ يعلم أن التشكيك اللفظي بالحجم التمثيلي للفريقين لم تجزه الوقائع في أي منعطف اجتازته الأزمة الأهلية المستمرّة منذ التمديد لإميل لحّود ثم اغتيال الرئيس رفيق الحريري وإلى اليوم. يمكن لكل طرف أن يعيد الحجم الأكثري للطرف الآخر داخل مذهبه إلى جملة عوامل يعدّها قابلة للتبدّل بشكل أو بآخر، إلا أنّه لا يسع أي طرف إنكار الواقع البحت: أكثرية الطائفة السنية توالي "تيّار المستقبل" ورئيسه، وأكثرية الطائفة الشيعية توالي ثنائي "حزب الله" وحركة "أمل".
بمجرّد الإقرار المتبادل بالتناظر التمثيلي هذا، يمكن دفع "حزب الله" إلى المزيد من الاطمئنان حيال معادلات الداخل اللبناني، ودفعه أيضاً إلى طمأنة هذا الداخل. سلاح "حزب الله" يصبح خطراً داهماً على الداخل ساعة لا يقرّ بالحدود الفاصلة بين المذاهب والطوائف، فينكر المركزية التمثيلية لـ"المستقبل" بين السنة أو لزعامة وليد جنبلاط بين الدروز أو يحسم بحسب مصلحته أمر الأكثرية والأقلية في الشارع المسيحي. لكن هذا السلاح تحلّ نصف مشكلته عندما يقرّ "حزب الله" بهذه الحدود من خلال المصالحات. بمعنى آخر المصالحات هي فرصة حيوية لكي يتمكّن "حزب الله" من الاعتراف بأن الواقع اللبناني التعدّدي والموزّع طائفياً ومذهبياً لا يمكن تجاوزه بتجاهل الصفة التمثيلية لمختلف القوى والتيارات داخل طوائفها ومذاهبها، وخصوصاً إذا كان الطرف الذي يلوّح بهذا "التجاوز" يستمدّ قوته من ضخامة حجمه التمثيلي داخل مذهبه هو.
وإلى حدّ ما يطرح الأمر نفسه على "قوى 14 آذار". لا يسع هذه القوى إنكار حقيقة موالاة السواد الأعظم من شيعة لبنان لخيارات "حزب الله" وإن كان من واجب هذه القوى في الوقت نفسه ومن مصلحتها، دعم الخيارات المستقلّة والاستقلالية داخل الطائفة الشيعية. وإذا كان دعم مثل هذه الخيارات يستدعي مزيداً من التأزم عندما لا يكون التواصل المباشر بين أكبر تيار سنّي لبناني وبين أكبر تيار شيعي في لبنان، فإنه يصير سنداً لكل تقريب أهلي بين السنّة والشيعة في مرحلة تقترح لها الواقعية اسم "المصارحة" ويوصي لها التفاؤل بكلمة "مصالحة".
بيد أنّ الاعتراف المتبادل بالحجم التمثيلي المتوازي لا يعني إبقاء مسألة "السيادة الوطنية" نسبية يفسّرها كل تيّار على هواه متحصناً بمشروعيته داخل مذهبه أو ضمن طائفته. ومن هنا كومة الصعوبات الموضوعية التي لا تزال تعترض سبيل التوصّل إلى تسوية تاريخية من شأنها إخراج البلاد ليس فقط من "جراح 7 أيّار"، وإنما وقبل كل شيء من الانشقاق الكياني الذي انتابها تبعاً لتداعيات حرب تموز. 7 أيّار ما كان ليحصل لو منح اللبنانيون أنفسهم الفرصة بمجرّد إيقاف حرب تمّوز أوزارها لمناقشة ما حصل بشكل متأن وصريح لا يبقي مجالاً لدعاة "نظرية المؤامرة" من أي جهة. المفارقة المؤلمة أن اسرائيل التي أصيبت بخيبة عسكرية في حرب تموز، أنتجت رواية شاملة حول هذه الحرب في تقرير فينوغراد، في حين أن لبنان الذي كان يمكنه أن يستثمر بشكل أفضل الظروف الناشئة في أعقاب هذه الحرب ومن ضمنها تمدّد الجيش جنوباً وتطوير "اليونيفيل"، إنما نكب بدلاً من ذلك بانشقاق خطير ومستفحل يوماً بعد يوم، سواء مذهبياً بين المسلمين السنة والدروز من جهة والمسلمين الشيعة من جهة أخرى، أو سياسياً بين مسيحيي 14 آذار من جهة ومسيحيي "تفاهم مار مخايل" من جهة أخرى.
المراجعة المتبادلة تقتضي العودة إلى ما انتهت اليه حرب تموز، وأثرها على المناخات المذهبية في البلد، وليس فقط من حيث انتهت اليه 7 أيّار. وما دامت المنازل تدخل من أبوابها يمكن منح الذات رصيداً من التفاؤل في هذا المجال: تخوين الآخر الذي بلغ الذروة في 7 أيار ما كان ليحصل لو أنّ الحوار الوطني انطلق مباشرة بعد توقف حرب تموز لمداواة الأجواء المحتقنة داخلياً التي ولّدتها تداعيات الافتراق حول توصيف هذه الحرب وضرورتها ونتائجها ودور الحكومة أثناءها وما تساءل عليه المقاومة وما لا تساءل.
فالمسألة مزدوجة على طاولة المصارحة السنية ـ الشيعية كما على طاولة الحوار الوطني. ليس الواجب فقط تفادي الاقتتال الداخلي مجدّداً والحؤول دون استخدام سلاح المقاومة ضد الداخل. الواجب أيضاً هو الخروج من التداعيات السلبية على الصعيد المذهبي التي نتجت عن مفاعيل حرب تموز بشكل أو بآخر، وخصوصاً بعيد مصادرة الرئيس السوري لهذه المفاعيل في خطابه غير الرصين من قصر المهاجرين في آب 2006. ولأجل تفادي الاقتتال الداخلي بشكل مضمون، لا بدّ أيضاً من تفادي كل ما من شأنه استفاقة اللبنانيين على قرار يزجّهم في حروب إقليمية من دون أخذ مشورتهم.