الدولة الديموقراطية الحيادية أو اللاإستقرار الطويل الأمد
ماذا ينتظر لبنان في المستقبل القريب؟ وما هو مصير لبنان واللبنانيين، في المستقبل البعيد، انطلاقا من الحالة الوطنية والسياسية الراهنة، في داخله وفي المنطقة، والتطورات المحتملة فيها وفي العالم؟
هذا السؤال لا يطرح، في الدول الاسكندينافية و"الدول -الامة" الديموقراطية المزدهرة والواقعة في مناطق هادئة من العالم، كما هو مطروح، اليوم، في لبنان. وان كان مطروحا بالنسبة لبعض الدول العريقة في استقلالها وديموقراطيتها، ككندا وبلجيكا وحتى المملكة المتحدة واسبانيا، ناهيك بالاتحاد الروسي، حيث حركات الانفصال او الاستقلال ناشطة. ولا نتحدث عن معظم الدول الآسيوية والافريقية والعربية والاسلامية، حيث الحركات الانفصالية، الدينية والطائفية والعرقية، تنتظر الفرص لتفكيك كيانات الدول – الاوطان التي تعيش في كنفها.
وقد شهد العالم في السنوات العشرين الاخيرة، تفكك دول واتحادات عدة، ابرزها الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وباكستان –بنغلاديش. ولا يزال هناك عشرات حالات الانفصال "الراقدة" في عدد كبير من الدول. مع العلم بان البشرية والدول تسير، مجبرة لا طائعة، نحو انواع من التوحد، امنيا وماليا واقتصاديا وبيئيا وصحيا وطاقة ومياها، لدرء الاخطار التي تتهددها.
•••
لقد نشأ الكيان الوطني اللبناني، منذ 88 سنة، بالرغم من ارادة نصف "ابنائه". وعندما ارتضى هذا النصف (المسلم في غالبيته) بالكيان الوطني اللبناني، على اساس "صيغة" 1943، بقيت مسألة "درجة" انتمائه القومي العربي مطروحة، وسببا لتصديع الميثاق، ومنطلقا لثورة 1958، تدرجا الى حرب 1975 الاهلية. وعندما انهى اتفاق الطائف هذه الحرب، بقبول المسلمين بنهائية الكيان الوطني اللبناني، وقبول المسيحيين بعروبته، وارسي نظام الحكم على اسس متساوية بين المسلمين والمسيحيين، ظن اللبنانيون والعالم معهم أن المصير اللبناني قد وضع، اخيرا، على السكة التي تقوده الى مستقبل واعد. ولكن ما حدث بعد اتفاق الطائف، اثبت العكس.
لا يحتاج الانسان الى طول شرح وتحليل، للوصول الى الحقيقة الصارخة، الا وهي ان اتفاق الطائف وخروج القوات السورية من لبنان واتفاق الدوحة، وقيام حكومة "اتحاد وطني" وعودة المؤسسات الى عملها في لبنان، لم تحمل الى قلوب اللبنانيين الاطمئنان الذي ينشدون، ولا الى البلد الاستقرار والامن، اللازمين لحسن سير الديموقراطية فيه، واعادة ثقة العالم باقتصاده. وما حدث في طرابلس، في اليوم التالي لنيل الحكومة الثقة، ويوم "تحسين" العلاقات اللبنانية – السورية، وما تبعه من احداث، دليل بليغ على ان هناك في لبنان، من لا يريد له الامن والاستقرار، وانه ما زال قادرا على تعكير صفو حياة اللبنانيين، وعمل الدولة.
الامر لا يقتصر على عملية او عمليتين ارهابيتين، او اغتيال او عشرة اغتيالات. ولا على الخلاف بين "حزب الله" وفريق 14 آذار على الاستراتيجية الدفاعية وسلاح المقاومة، بل يتعداه الى انقسام وطني – سياسي عميق، بين نظرتين متناقضتين، الى دور لبنان ومصيره. النظرة الاولى التي تتمسك بالكيان الوطني واستقلاله وسيادته وديموقراطيته وانتمائه العربي والتزامه بالقضايا العربية المشتركة، وانفتاحه على العالم ونظرية – او نظريات – تقدم الانتماء الديني او المذهبي او المصلحة القومية (السورية او العربية)، ومن ضمنها مقاومة اسرائيل، على مصلحة الكيان –الوطن – الدولة، وعلى الديموقراطية والدستور والاستقرار والامان والسلام في لبنان.
•••
الى اين سيقود هذا الانقسام الوطني – السياسي، العميق؟ في افضل الاحوال – او المؤمل – الى نوع من شبه الاستقرار السياسي والمهادنة الوطنية، على اساس اتفاق الطائف (اذا طبقت كل بنوده)، واتفاق الدوحة. ولكن هذا يفترض حدوث تحولات مهمة في المنطقة، كاستقرار الامور في العراق، وانحسار الارهاب عن المنطقة، وتغيير النظام السوري سياسته تجاه لبنان وعملية السلام، وتغيير سياسة ايران في لبنان والمنطقة، وتقدم عملية السلام بين العرب واسرائيل. والا فإن لبنان سيبقى الساحة المفضلة لتصفية الحسابات بين الدول الكبرى والدول العربية والاسلامية، الممانعة او المقاومة. ومن شأن ذلك تعطيل اي مشروع وطني او سياسي، يحمل لبنان الى شاطئ الاستقرار، ويتيح لأي حكومة فرصة بناء دولة ديموقراطية حديثة وقادرة.
•••
من المسلم به ان ما من طائفة تستطيع حكم لبنان بمفردها. ولكن من الراهن ايضا ان نظام التوازنات الطائفية والمذهبية، هو الذي اعاق قيام الدولة الحديثة والمؤسسات الوطنية الفاعلة. فهل يستطيع لبنان تحقيق القفزة الكبرى الموعودة اي تجاوز النظام الطائفي السياسي، واقامة دولة المواطنين الديموقراطية؟ ام انه يبقى اسير هذا النظام الطائفي المتفاقم، الذي يدفع بالطوائف بعيدا بعضها عن بعض، ويحول دون قيام الوطن والدولة الديموقراطية الحديثة؟
العقائديون، دينيين أو طائفيين أو مذهبيين أو قوميين كانوا، لا يشكلون اكثرية اللبنانيين. ولكنهم منظمون ومقتحمون ويعرفون ماذا يريدون. اما المدنيون الديموقراطيون، فانهم يعرفون ايضا ما يريدون ولكنهم ليسوا موحدي الصفوف ولا مجندين وراء قضيتهم. وما يخشى منه هو ان تتغلب الاقلية المنظَّمة، على الاكثرية غير الموحَّدة الصفوف، فيصيب لبنان ما اصاب غيره من الدول العربية. او ان يتصادم العقائديون ويدمروا الوطن جراء تصادمهم.
•••
لقد تعددت "المشاريع الوطنية "لإخراج لبنان من محنه او لوضعه على سكة مصير آخر. من "اندماج مصيري محكم" مع سوريا، الى اعلان "حياده الايجابي". ومن تجاوز للنظام الطائفي الى نظام ديموقراطي مدني، الى الابقاء على نظام "الديموقراطية التوافقية" المعمول بها اليوم. ولا ننسَ "الفيديرالية" او "التقسيم".
لا شك في ان تقسيم لبنان الى دويلات طائفية ومذهبية هو مشروع عبثي ونوع من الانتحار الجماعي. كما ان الفيديرالية في بلد صغير الحجم كلبنان، هي نوع من الشيزوفرينيا. اما "ضم لبنان "الى سوريا، فهو، ايضا، مشروع شبه مستحيل، بعد ان افترق البلدان والنظامان والاقتصادان، منذ ثلاثة ارباع القرن. فلا اللبنانيون باكثريتهم يقبلون بزوال كيانهم واستقلالهم ولا الدول العربية ولا المجتمع الدولي. ولذلك لا يبقى امام اللبنانيين سوى طريقين: اما استمرار النظام السياسي الراهن، مع تحسين مضطرد في الاداء وتخفيف للارتهان السياسي والطائفي للخارج، و"شد براغي"الوفاق الوطني والنظام الديموقراطي – البرلماني… واما الاقدام على الخطوة التي يتمناها معظم اللبنانيين: اي تجاوز النظام السياسي – الطائفي، وبناء دولة المؤسسات الحديثة، واعلان الحياد الايجابي، وفرض سلطة الدولة على الجميع.
•••
في المستقبل القريب كل شيء يدل على ان النظام السياسي – الطائفي الراهن سوف يستمر، معرضا نفسه لهزات واضطرابات وازمات عنيفة. اما في المستقبل البعيد، فليس امام اللبنانيين سوى الخيار الآخر، اي دولة المواطنين اللاطائفية والديموقراطية الحديثة والحيادية بين النزاعات الاقليمية، والملتزمة بتضامنها العربي.
ولكن هذا يفترض ظروفا موضوعية اقليمية مؤاتية، لا نراها، اليوم، راهنة، ولا مقبلة، في القريب.