الحريري فتح الباب وعلى إلآخرين اظهار حسن النوايا
كيف سيُخرج "حزب الله" نفسه من أسر صورة 7 أيار؟
على قاعدة "نحن نفتح أبواب قريطم لأننا نريد إقفال باب الفتنة" التقى رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري وفد "حزب الله" في زيارة تمهيدية يفترض أن تشكل توطئة لـ "أمّ المصالحات" من خلال لقاء الحريري والأمين العام للحزب السيّد حسن نصر الله، تتويجاً لجهود تحقيق المصالحة بين الجانبين وعلى المستوى الوطني.
وسواء حصل اللقاء¬ الحدث بين الحريري ونصر الله قبل نهاية شهر رمضان، كما تتوقع مصادر متابعة، أم تقرر إرجاؤه لاعتبارات باتت معروفة، فإن مجرد حصوله، وبدون شك، ستكون له انعكاسات ايجابية واسعة النطاق، باعتبار أن استلحاق "حزب الله" نفسه بدخول دائرة الحوار ولقاءات التمهيد للمصالحة يساهم باشاعة جوّ من الاستقرار ويمهّد لمقاربة لينة لمختلف الملفات المطروحة للنقاش قبل الانتخابات النيابية المقبلة، وقبل ذلك وبعده من شأنه أن يحقق خطوة في التقارب السني ¬ الشيعي ويبعد شبح الفتنة المذهبية التي أشعلتها حوادث 7 أيار الفائت.
وفي انتظار ما سيقوله السيّد نصر الله عن اللقاء بـ"المستقبل" عصر غد في مناسبة يوم القدس العالمي، فان ثمة سؤالاً يتردد في غير وسط سياسي وأهلي، مفاده هل أدرك "حزب الله"، بعد أكثر من خمسة أشهر على "غزوة بيروت"، خلاصات ما زجّ نفسه فيه، وهل هو في صدد إجراء مراجعة نقدية لما حصل، وهل أيقن أن اشعال الفتنة المذهبية لا يغير في المعادلات الداخلية شيئاً، وأن لا سبيل لحلّ الخلافات بين اللبنانيين مهما استعصت سوى الحوار والتلاقي؟ وتالياً، بحسب هؤلاء، ما هي دوافع وأسباب اللقاء مع "حزب الله" قبل مبادرته الى الاعتذار عما حصل، ومداواة آثار هذا الجرح؟
الواقع أن الشارع السني، لا يزال ينظر الى ما جرى في 7 أيار 2008 وما تلاه، على أنه كان في حقيقته هجوماً ميليشياوياً ممنهجاً لفرض إغلاق العاصمة وترهيب أهلها بالقوة، وكان إذكاء لنار الفتنة المذهبية، وأتى ليؤكد الطبيعة الانقلابية للقوى التي قامت به، لا بل ان النائب الحريري، بموازاة تأكيد تمسكه بالمصالحة، أكد أن ما جرى وصل حدّ اغتيال رفيق الحريري ثانية.
الحريري: شجاعة المسؤولية
في رأي مصادر "تيار المستقبل" ان اللقاء مع "حزب الله" إنما هو "تأكيد من سيّد قريطم على التمسك بخط المصالحات وحماية السلم الأهلي من موقع المسؤولية الوطنية والعربية والإسلامية، الذي هو أيضاً نهج التمسك باتفاق الطائف والعيش المشترك وإعادة الاعتبار للدولة مقابل الدويلة"، وتقول هذه المصادر ان "هذا النهج هو نهجنا، وهو الأمر الذي تجلّى بالمشاركة في الحوار الوطني بالقصر الجمهوري، كما تجلّى بالمصالحة في طرابلس والبقاع. وهذه هي شجاعة المسؤولية والأمانة للوطن والدولة"، مؤكدة أن الحريري لا يزال متمسكاً "باعتماد منطق الحوار من أجل استيعاب المشكلات وتجاوزها، واعتبار المصالحة نهجاً مستمراً وباقياً وتأكيداً لمنطق الاعتدال والوسطية ورفض الفتنة وكل مظاهر العنف".
المصادر نفسها، إذ تراقب "الفلسفة" التي تروجها دوائر معينة حول خلفيات الجنوح نحو المصالحات القائمة وحديثها عن انتصارات وهمية وحسابات سياسية لا تعدو مخيلة مطلقيها، تذكّر بما قاله الحريري غير مرة خلال هذا الشهر، من أنه "لن يكون هناك استقرار اذا لم تسعَ كل الطوائف والقوى الحزبية والمسلحة لتقديم التنازلات لمصلحة الدولة"، لتخلص الى تحديد الأولويات ¬ النهج التي تحكم موقف النائب الحريري من المصالحة، وهي:
أولاً، التمسك بالسلم الأهلي والدولة، بما يعني العمل على إقدارها على بسط سلطتها على كافة أراضيها والاعتماد على المؤسسات من جيش وقوى أمنية في حماية أمن الوطن والمواطنين، وثانياً، الاعتصام بعروبة لبنان وسيادته وحريته واستقلاله وعدم الدخول في محاور إقليمية أو دولية، وثالثاً، الحفاظ على المؤسسات الدستورية والآليات الديمقراطية معياراً لانتظام العمل السياسي والوطني، ورابعاً، اعتبار الحوار المسؤول وقبول الرأي الآخر والتمسك بمفاهيم الاعتدال والتسامح الإجابة الوحيدة الممكنة لمواجهة المشكلات مهما بلغت، وكذلك الالتزام الصارم بعدم اللجوء إلى العنف في الداخل في أي سياق كان وتحت أية ظروف.
وفي تقدير هذه المصادر ان هذا النهج، أي الحوار والمصالحة، بما يعني العودة لأخلاقيات التعامل الوطني والتخلي عن منطق الاستقواء أو اللجوء إلى العنف في معالجة الاختلافات والتباينات، هو الذي ينبغي أن يبقى سائداً، لكي يتحقق الاستقرار الأمني والسياسي، وتمنع التدخلات والاختراقات الخارجية من أي نوع كان.
الاعتذار: مدخل المصالحة
في المقابل، لا تزال أوساط وازنة في الشارع السني ترى أن دواعي اعتذار "حزب الله"، من جمهوره ومن أهالي بيروت ومن اللبنانيين عموماً كثيرة على خلفية أحداث أيار، وتذكّر بأن اجتياح بيروت عسكرياً وترويع أهلها وقطع طرقاتها وتعطيل مطارها، وتطويق المقرات الرسمية فيها، مع ما رافق ذلك من مآسٍ بقتل الأبرياء واستخدام للسلاح ضد المدنيين واستباحة المؤسسات الاجتماعية والإعلامية والصحية التابعة لـ "تيار المستقبل"، وقبل ذلك وبعده إحراق صورة رفيق الحريري ورفع صورة قاتله مكانها. كل ذلك، إلى كونه مسّاً بالشراكة الوطنية وانقلاباً على صيغة العيش المشترك يتطلب خطوات سريعة للمعالجة.
وتشدد هذه الأوساط على أن الاعتراف بالخطأ الكبير ومداواة ما نتج عن ذلك، إنما هو مدخل ضروري لتجاوز الماضي وتنقية الذاكرة وتهدئة النفوس والانطلاق نحو المرحلة المقبلة، وتشير في هذا الإطار الى "تحديات" تفرض نفسها على "حزب الله" من شأنها أن تسهم بايجابية في معالجة الوضع، ومنها:
أولاً: قطع دابر الفتنة، ومنع أسبابها لتجنيب لبنان المزيد من الفوضى وتآكل الدولة.
ثانياً: إنجاح الحوار الوطني حول مصير سلاح الحزب، من خلال الاتفاق على استراتيجية دفاعية لا تكون بديلاً عن الدولة ومؤسساتها.
ثالثاً: اسقاط منطق التخوين في وجه أي معارض أو منتقد، وطي صفحة الاستنفار الأمني نحو الداخل اللبناني وعليه، والتخلي عن منطق الاستعلاء والاستقواء والاتهام، وسحب كل مظاهر الاستفزاز المنتشرة في أحياء العاصمة وعلى مداخلها من شعارات وصور وغيرها.
رابعاً: صيانة "حزب الله" لصورته وتاريخه بعد أن تزعزعا كثيراً يوم وجه سلاحه الى صدور مواطنيه وانقلب على كل تاريخه وتضحياته.
خامساً: الإسهام في تهيئة أجواء داخلية قائمة على وفاق ومصارحة من شأنها حماية الحزب نفسه من أية أثمان تتطلبها الاندفاعة السورية الى التفاوض مع إسرائيل، أو السعي السوري لإعاقة المصالحة اللبنانية الداخلية.
سادساً: وقف العبث، أو محاولته، ضمن الساحة السنية، فـ "حزب الله" بات يدرك أهمية تبريد العلاقة المتوترة مع جمهور "تيار المستقبل" الذي يشكّل الغالبية ضمن الطائفة السنية، وأن التمادي في استفزازه سيؤدي الى مزيد من التشنج والتوتر وانسداد الأفق.
تأسيساً على ذلك، ترى هذه المصادر أن الإصرار على منطق تخيير اللبنانيين بين الهيمنة أو التعطيل، بين الرضوخ أو الاتهام، بين السلاح أو السلاح، إنما هو في حقيقته حرب على الاستقرار وعلى الشراكة الوطنية والعيش الواحد وعلى التفكير في المستقبل، وتؤكد أن من أبرز نتائج حرب بيروت غير المظفرة التسليم بأن ثُنائية التنظيم المسلَّح/الدولة، لا تصحّ ولا تَستقيم، تحت أي مسمّى.
وتتوجه هذه المصادر الى "حزب الله" بأن الذين يقولون لكم إن الإعتذار من مواطنيكم واجب وطني وأخلاقي وتاريخي، هؤلاء يصدقونكم القول، أيا تكن اللهجة التي تنطق بذلك. والإعتذار¬ وقبله الزيارة واللقاء الموعود¬ إذا كان يَجبّ ما قبله، لكنه لا يُلغي ما بعده. وما بعده هو أنتم واللبنانيون جميعاً الذين يريدون الوطن والدولة والاستقرار والحياة الكريمة والعيش الواحد، وهم جميعاً أصحاب المصلحة في أن تكونوا حزباً سياسياً "عاديّاً"، يشارك وبفاعلية في إقامة أو تطوير الدولة القوية والقادرة.