#adsense

دُمى عونيّة

حجم الخط

دُمى عونيّة
ماجدة داغر

مع كل رمضان من كل سنة، يعود سبق الشاشات المحتدم الى ملء الهواء المفتوح حتى الفجر، فيثقَل الهواء- المشاع المسكين بما جادت عليه أيدي المنتجين والمخرجين، ويختلط الجيّد بالرديء والمتقَن بالمرتجَل، ويدوخ المسكين الآخر( المشاهد) ويقضي أمسيته الرمضانية العظيمة في عملية "زابينغ"، علّه يقتطف مشهداً جيداً من بين قافلة الانتاجات المستهلكة. إنتاجات محليّة لم تلامس الحدّ الأدنى للاحتراف، وعربية لا تجد لها مُشاهداً يتيماً، وأخرى مصرية تدور في فلك السطحية والاستهلاك الفني، إلى الحارات التي تغزوها الدراما السوريّة في إعادة إنتاج المناخ نفسه واجترار الأفكار ذاتها، هذا بعد غزوةٍ جدليةٍ منتصِرة للمسلسل التركي المدبلج سوريّاً أتحفتنا به شاشاتنا الصغيرة، لكن لا يخلو هذا الفضاء المحموم من التجارب الجيدة والانتاجات الناجحة فنيّاً واحترافيّاً.

أما ما يُفترَض أن يُضحِك الجمهور اليائس العريض، فهو مُبكٍ في معظمه، وهذا المبكي هو تلك البرامج الانتقادية الساخرة التي تغزو الشاشات في محاولة إضحاك يائسة. هذه البرامج التي تتناول الحدث وتبني مادتها الفنية عليه، تطلّ في معظم الأحيان مفتقرة الى الطرافة والظرف والإمتاع، فمنها ما يقارب الابتذال والسفاهة مبتعداً عن أدبيات الضحك الأنيق، وأغلبيتها تتنطّح للذمّ والشتيمة والاستهزاء بفريق سياسي خصم.

لم ينجح شربل خليل في جعل برنامجه اليومي المرتجَل على مساحة فنية انتقادية من الأطراف السياسيين، تتيح للمشاهد الخصم، إذا جاز التعبير، أن يتمتّع أيضاً بانتقاد فنّي بنّاء خالٍ من التجريح بزعيم يقدّم له الولاء، أو أقلّه لتلحق "طرطوشة" هذا الانتقاد وإن كان جارحاً، كل السياسيين من دون استثناء، فيحقّق بذلك هدف برنامجه المنتقَد المنشود( إذا كان هذا المنشود لا أدري) أي الديمقراطية التي أصبحت فعلاً دميةً في برنامجه، يلعب ليس فقط بأحرفها إنما بمضمونها.

يتناول خليل في "دمى قراطية" الشخصيات السياسية في معظمها، في فكرة جديدة قديمة تؤدّي الدمى من خلالها أدوار السياسيين بأسلوب هزلي ساخر، وتظهر مواهب المخرج-المقدِّم التي لا ينكرها أحد، في المعالجة والتقاط الفكرة والسرعة في التنفيذ وخصوصاً في الزجل الذي صار هويّة.

ولكنه وفي بُعد سياسي واضح "يركّ" على شخصيات دون أخرى مما يجعل حضور البعض منها في البرنامج، ديكوراً أو تمويهاً أو تأكيداً مصطنَعاً على ديمقراطيته، فنراه( وهو الناشط في التيار الوطني الحر) لا يتناول الجنرال عون أو أحد حلفائه إلاّ بما تيسّر أو "على الناعم"، بينما يكيل( وأيضاً بما تيسّر من جعبته الغنية بالهزء) بكل أشكال السخرية وأنواعها على كل قوى 14 آذار وفي تركيز مباشر على الدكتور جعجع.

فصرنا نعرف جوّ الحلقة وضيفها والحوار والجواب قبل أن ينطق السيّد خليل بما حضّره، وصرنا نعرف دور الجنرال وصهره الذي لم يتغيّر طيلة البرنامج، وحديث رجلَي المقاومة المهذّبَين، وكل الحلفاء "الأوادم". ولكن ما لم نعرفه كل هذا التشفّي الذي لا يستطيع برنامج فنّي إخفاءه، ولا التلطّي خلف دمى وإن كانت "قراطيّة"، وما نعرفه أيضاً أن التلفزيون هو أجدى وسيلة للتقارب وإزالة المسافات، ونعرف أن حقّ النقد مقدّس وكذلك المشاعر والكرامات، وما نعرفه أيضاً وأيضاً، ونتمنى أن يعرفه كل مؤتمَن على إيصال حتى أصغر الرسائل الى الناس، أن الفنانين والمبدعين هم رُسلٌ للسلام أم… للتفرقة، ولهم الاختيار!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل