صفّقوا!
دائماً بعد خراب البصرة؟ كل شيء بعد خراب البصرة؟ ولكن الى متى يمكن جرة البصرة ان تسلم ويعاد ترميمها؟
تستحق المصالحة التي بدأت اول من امس في قريطم بين وفد من "حزب الله" والنائب سعد الحريري وعدد من نواب "تيار المستقبل" والتي تستكمل بلقاء بين الحريري والسيد حسن نصرالله، كل التصفيق الصادق. لكنه تصفيق لن يخلو بالطبع من تساؤلات عميقة فيها الكثير من المرارة عند مؤيدي "تيار المستقبل" وكذلك مؤيدي "حزب الله" كما عند كل المواطنين!
فهل كان من الضروري فعلا ان يحصل كل ما حصل من تراشق بالاتهامات ثم بالكراهيات ثم بالنيران والجروح والمآسي، لكي نكتشف بعد اكثر من عامين من الضغائن اننا كما يقول النائب محمد رعد:
"نحن لسنا جيرانا متخاصمين، نحن اخوة ويمكن الاخوة في البيت الواحد ان يختلفوا. لكن تبقى المودة موجودة وأواصر الاخوة تجمعنا. نحن لسنا جيرانا متخاصمين، بل نحن اخوة متصالحون، ولكن ما نحتاج اليه اليوم، مع استئناف هذا التواصل، هو المصارحة. تحصل ازمات عادة في البيت الواحد، ويحصل غضب وزعل وقلق، ولكن لا تحصل قطيعة، لذلك يجب ان نجد طريقة لحل مشاكلنا بإيدينا. نحن نملك قراءة للاحداث وانتم تملكون قراءتكم، وقد نختلف ولكن من خلال القدرة على التواصل والحوار يمكن ان نتوصل الى تفسيرات مشتركة… ونحن ابناء هذا البلد قدرنا ان نعيش سويا وان يتفهم بعضنا بعضا".
❒ ❒ ❒
وهل كان من الضروري تعطيل البلاد لمدة ثلاثة اعوام تقريبا لكي نتذكر اننا اخوة وقدرنا ان نتحاور وان يتفهم بعضنا بعضا، من دون تهديد ووعيد واتهامات قاسية ومتسرعة ومتحاملة بالعمالة وبالخيانة؟
وهل كان من الضروري ان نغرق في حرب استنزاف سياسية فتحت ثغرا لتسلل مقاولي التخريب الامني، وان نندفع في حرب اقتحامات عسكرية، لكي نتذكر وقبل ان تبرد جروح "البصرة" اننا فعلا جيران متصالحون ولكن تنقصنا المصارحة، رغم ان الايدي كانت ممدودة دائما للمصارحة والقلوب مفتوحة للمصارحة والتعاون على الاقل في "ذلك البيت ودوره التاريخي المقدّر الذي انتج معادلة المزاوجة والتناغم والتكامل بين مشروع الاعمار ومشروع المقاومة"؟!
❒ ❒ ❒
وهل كان من الضروري ان تطوف الضغائن والآلام في كل الاحياء، وان تعصف رياح الفتنة الشيعية – السنية في لبنان مهددة بان تتحول شرارة تحرق المنطقة كلها، لكي نتذكر ان لا ضرورة لتوقيع وثيقة تفاهم بين "حزب الله" و"تيار المستقبل" لان "ما بيننا وبين تيار المستقبل اكثر من اعلان نيات. انه عيش متداخل" على ما اكد النائب رعد؟
نحن في كل هذه التساؤلات النابعة من محبة ومرارة صدقونا، لا نحاول ان نقيّد خراب البصرة على ذمة احد، لا "حزب الله" ولا الاكثرية و"تيار المستقبل" في مسألة المعاندة وعدم اعطاء "الثلث المعطل" على سبيل المثال، وقد كان من عناوين المرحلة السوداء التي مر فيها لبنان؟!
ان الواجب الوطني والاخلاقي يفرض في كل لبناني مخلص ان يبارك المصالحة وان يستمطر نعمة النسيان والغفران والمسامحة، وان لا ينبش القبور الحديثة او الجروح النازفة، ليسأل مثلا: ماذا نقول للموتى، وللذين هجروا لبنان يأسا. وللذين احترقت بيوتهم ومتاجرهم. واولئك الذين خربت بيوتهم؟
والسؤال هنا ليس لادماء الجروح، بل لتأكيد اهمية طي الصفحة السوداء مرة نهائية، ومنع العودة اليها مهما تكن الاسباب والدوافع والضرورات، ما دمنا نتحدث الآن عن الحوار والتواصل والاخوة والبيت الواحد.
❒ ❒ ❒
وفق محاضر اللقاء كما نشرتها الصحف تعهد النائب سعد الحريري في خلال اللقاء، ان يفتح قلبه على وسع بوابة دار رفيق الحريري مرحبا بالاخوة في "حزب الله" ومؤكدا اهمية اللقاء، ومذكرا باليد الممدودة للحوار والتلاقي والتضامن وانهاء التشنج منذ زمن بعيد، ومصرا على انه "آن الاوان لخروج لبنان من النفق الاسود(…) ونحن نكسر جليدا قاسيا تراكم في القلوب. ونحن في موقع من يرفع الضرر عن العاصمة بيروت ونترك للتاريخ ان يحكم على من سبّب لها الأذى".
❒ ❒ ❒
بالتأكيد كان اللقاء مدخلا حيويا ومهما من شأنه اعادة التماسك الوطني وتعزيزه على ما اشار النائب رعد.
وبالتأكيد توقف اللبنانيون امام حرص الطرفين على توضيح امر واحد هو ان المصالحة بين "تيار المستقبل" و"حزب الله" لا تعني عملية لإعادة تشكيل المشهد السياسي اللبناني تحالفات او اتفاقات ونحن على ابواب المعركة الانتخابية، وهو ما قد يحلم به البعض في المقلب المسيحي خصوصا، ليقفز فوق الحقائق والوقائع مصورا مرة اخرى ان المصالحة بين السنة والشيعة وقبلهما الدروز انما هي مؤامرة لعزل المسيحيين او أكلهم!
☐ ☐ ☐
هذه زعبرة لن تمر. والدليل ان النائب رعد شدد مرتين او اكثر على القول ان كلا من الطرفين يتصارح من موقعه ورؤيته السياسية، "ونحن كنا واضحين باننا مختلفون في الرؤية وفي الموقع وفي التحالفات وخصوصا التحالفات لكننا محكومون بالتواصل والتحاور".
الدليل الآخر ان النائب الحريري حرص على القول في حفل الافطار مباشرة بعد اللقاء:
"نحن نكسر جليدا قاسيا تراكم في القلوب… وان فتح باب الحوار والتهدئة لا يعني التراجع عن ثوابت 14 آذار وعن ثوابت المحكمة الدولية. ولا تهاون في مسألة قيام الدولة. و14 آذار موحدة على هذه المبادئ وستبقى موحدة مهما اختلفت وجهات النظر(…) والانتخابات المقبلة ستشهد على صحة توجهات 14 آذار".
❒ ❒ ❒
اذاً هل يمكن القول اننا في مرحلة الانهماك بتنظيم الخلاف وارسائه على قواعد اكثر رحابة من ذي قبل، بحيث يتسع الوضع للرأي والرأي الآخر من دون الوقوع في الخلاف والاشتباكات والمآسي؟
وهل يمكن السؤال عما اذا كنا فعلا نخطو نحو حال من التنافس الديموقراطي. مع ان الحذر والحياء فينا يستدعيان منا الاعتذار من الديموقراطية؟
وهل هي اليقظة وقد حلّت في الجميع عندنا، فانفتحت الابواب على المصالحات، الا عند المسيحيين والموارنة تحديدا الذين نسوا منذ زمن بعيد صراخ: الابواب… الابواب؟!
ام ان الاحتمالات الاقليمية من تهديدات العدو الاسرائيلي ضد لبنان والمقاومة، والمفاوضات السورية – الاسرائيلية غير المباشرة برعاية تركية ومباركة دولية، وازدياد الملامح الاقليمية للشرخ الذي يتنامى بين السنة والشيعة، هي التي ايقظت فينا الحرص على تبريد الساحة اللبنانية، كي لا نكون مرة اخرى الساحة البديلة التي تتم فوقها وعلى حساب اهلها، تسوية حسابات الآخرين وصراعاتهم؟
ايا تكن الاسباب، لا نملك الا التصفيق لزيارة وفد "حزب الله" الى قريطم والتهليل للقاء المرتقب بين النائب سعد الحريري والسيد حسن نصرالله.
و"عقبال" الافراح في ديار المسيحيين!