الخلافات بالجملة والمصالحات بالمفرق
حلم جميل أن نرى بيروت منزوعة الصور والشعارات، وإن انتظرت السلطة التراضي بين أصحاب الصور والشعارات لكي تنفذ قراراً جرى اتخاذه قبل أشهر. فلو كانت بيروت عاصمة لبلد محكوم بنظام شمولي لامتلأت بصورة واحدة بأشكال وأحجام متعددة للحاكم القائد الملهم. ولو كانت، كما ينص الدستور، عاصمة لبلد اختار النظام الديمقراطي البرلماني لخلت من أي شعار أو صورة لقيادات وشخصيات محلية أو إقليمية. لكن بيروت لم ترد أن تكون عاصمة في نظام شمولي ولم تستطع أن تبقى عاصمة في نظام ديمقراطي. فهي معرض هائل لثقافة الصور والشعارات، من حيث كانت مختبر الثقافات ومرصد الأفكار والاتجاهات. شيء مثل صخور نهر الكلب، حيث الكل مر من هنا وترك نقشه على الصخور. وشيء من رفع الصور للمرغوب في أن يأتوا، ومن يافطات الشكر للدول والشخصيات الرسمية وغير الرسمية. وهذه مجرد رموز لانقسام سياسي له طابع طائفي ومذهبي وبُعد إقليمي ودولي. وما أكثر المعارك التي دارت بالرصاص أو بالعصي حول الصور.
وحلم أجمل أن نرى لبنان كله منزوع السلاح، لا الصور والشعارات وحدها. فنحن في غابة أسلحة يصعب على حامليها تحديد الأهداف منها والمصالح التي تخدمها. غابة نسميها جمهورية تتحكم بها قوى اقليمية ودولية وتتلطف بتسميتها (ساحة) للصراعات التي تضحي بلبنان من أجل مصالح فئوية أصغر منه ومصالح خارجية أكبر منه. لكن تحقيق هذا الحلم لا يزال بعيداً. فلا السلطة قادرة عليه، وإن قيل انها راغبة فيه. ولا المصالحات الدائرة تقترب منه، وان كان من ايجابياتها بدء نزع الصور والشعارات.
ذلك ان المصالحات، على أهميتها، هي حركة لتهدئة الأمور على السطح من دون حل الخلافات في العمق. وهي مصالحات بالمفرّق، في حين ان الخلافات بالجملة. فلا المصالحات هي بين كل مكونات 8 آذار و14 آذار، مع ان الانقسام شامل. ولا نقطة الضعف الوحيدة فيها هي صعوبة المصالحة بين القيادات المسيحية. فضلاً عن ان الخلافات سابقة لما حدث بالسلاح في 7 أيار، وان كان ما حدث هو الذي قاد الى اتفاق الدوحة وتطبيقه بانتخاب الرئيس وتأليف الحكومة وبدء طاولة الحوار والذهاب الى المصالحات. وفضلاً أيضاً عن ان المصالحات المحلية لم ترافقها مصالحات عربية، وان شمل خطاب الدعم لها العواصم العربية.
وعلى قاعدة (ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جلّه)، فان القليل من الأحلام وسط الكثير من الكوابيس أفضل من الاندفاع في الهاوية. لكن لبنان يستحق ان يحقق حلم الدولة. الدولة المدنية، أو أقله الدولة التي ليست أضعف من الطوائف.