لماذا استثناء بقية الحدود المشتركة، إذا كان هدف الانتشار السوري منع التهريب؟
بعث رسائل سياسية غرباً، أو ممارسة ضغوط على أبواب الانتخابات شمالاً
لم تهدأ وتيرة التساؤلات والاستفسارات عن أسباب نشر الجيش السوري على مناطق متاخمة للحدود الشمالية للبنان بشكل نافر، وبأعداد كبيرة قيل أنها بلغت حوالى عشرة آلاف جندي، تمركزوا بشكل ظاهر على التلال وقاموا بحفر الخنادق القتالية، ما أعاد المخاوف إلى اللبنانيين من أن يكون هذا الانتشار بمثابة خطوة تمهيدية، تسبق إقدام النظام السوري على <مغامرة> جديدة ضد لبنان، لا سيما بعد الاتهامات التي ساقها رئيس النظام بشار الأسد ضد السلفيين في شمال لبنان وتوصيفه لهذه المنطقة بأنها أصبحت ملاذاً للأصولية والحركات المتطرفة·
وأخيراً، ولتهدئة الاستفسارات، برر رئيس الوزراء السوري ناجي العطري هذا الانتشار العسكري من أجل مكافحة التهريب <النشط> على الحدود بين البلدين، في حين دافعت الصحف السورية عن هذه الخطوة، ولفتت إلى انه يحق لسوريا مكافحة التهريب، لحماية اقتصادها، وأنحت باللائمة على كل من انتقد عملية نشر الجيش السوري وخصوصاً من اللبنانيين المخاصمين للنظام السوري·
وهكذا حددت مهمات الجيش السوري المتمركز قبالة المناطق العكارية الشمالية، بمكافحة التهريب وضبط الحدود بين لبنان وسوريا، على اعتبار عدم جواز بقاء الوضع عما كان عليه من قبل، ولضرورات التأكيد على تجاوب الجانب السوري لمطلب ضبط الحدود لبنانياً ودولياً، في حين تم تبرير الأعداد الكبيرة للجيش السوري التي تم نشرها في هذه المناطق لأجل تغطية مناطق التهريب البالغ طولها قرابة المئة كيلومتر·
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل صدرت بيانات رسمية وتوضيحات، مفادها أن الجانب السوري، أبلغ قيادة الجيش اللبناني بأهداف الانتشار العسكري السوري، وبالتالي لا داعي للاسترسال بالاستنتاجات <الخاطئة> أو التفسيرات <المغرضة> التي تصدر عن الأطراف اللبنانيين تحديداً والتي تخفي وراءها اتهامات مبيتة ضد النظام السوري خلافاً للواقع، ومن باب <العداء> المستحكم بين هذه الأطراف والطاقم الحاكم في سوريا·
كان يمكن أن يصدق <التبرير> السوري الرسمي لنشر الجيش السوري قرب الحدود الشمالية للبنان لمنع التهريب، لو كان من يتولى عمليات التهريب المنظمة طوال السنوات الماضية، غريباً ولا يمت بصلة الى النظام السوري، إن كان من الجانب اللبناني أو بالداخل السوري· ولكن يعلم القاصي والداني ان معظم عمليات التهريب محمية من عناصر وشخصيات محسوبة على النظام المذكور، والكل يعلم من هي القوى الرسمية التي تستفيد وتحمي التهريب منذ مدة طويلة على طول الحدود المعنية، وأصبح هذا الأمر يشكل لها مصدر دخل مادي كبير، وبالتالي فان وقف هذا الدخل أو منعه بقرار رسمي على مستوى رفيع، ومن خلال نشر وحدات عسكرية كبيرة، ليس متاحاً داخل خريطة توزيع <المصالح> ضمن النظام السوري كما يعتقد البعض، وإنما يشكل تصادماً بين هذه <المصالح>، مما يؤدي إلى تصدع وتصادم في ما بينها، ولن يكون في مصلحة تماسك النظام السوري برمته·
فهناك من يعتقد بأن نشر الجيش السوري بهذه الأعداد في هذه المنطقة بالذات، يخفي وراءه هدفاً محدداً، لم يكشف عنه، بل إن كل ما صدر من تبريرات رسمية سورية أو ما يلحق بها في الداخل اللبناني، ليس صحيحاً على الاطلاق، وإنما يهدف للتغطية على السبب الحقيقي لهذا الانتشار·
ذهب البعض إلى التكهن، بأن غاية الانتشار العسكري استباق أحداث اقليمية متوقعة على وقع التهديدات الإسرائيلية المتواصلة ضد لبنان، وبعث رسالة سياسية للغرب، بأن النظام السوري لا يزال قادراً على الدخول إلى لبنان، بحجة القضاء على <الأصوليين> المتطرفين الذين سمّاهم الرئيس السوري بالإسم هذه المرة، بحجة ان وجودهم <المتنامي> في هذه المنطقة، قد يؤثر على سوريا نفسها، لقرب الحدود اللبنانية – السورية من مراكز وجود هؤلاء الأصوليين، وسهولة تسللهم الى الداخل السوري من خلال معابر <التهريب> المعتمدة لنقل البضائع بين البلدين، وهو ما يهدد سوريا نفسها ويؤثر على أمنها واستقرارها، لوجود بعض المتعاطفين مع هؤلاء الأصوليين في الأراضي السورية، ولأن لا مصلحة للغرب عموماً في تنامي وتوسع هذه الظاهرة الأصولية، يمكن للنظام السوري الاستحصال على <إذن مرور غربي> تحت هذه الحجج الممجوجة، وبوسائل وأساليب جديدة هذه المرة، للتأثير على نتائج الانتخابات النيابية في هذه المناطق المتاخمة للحدود لصالح أتباع وحلفاء النظام السوري·
ولكن البعض الآخر، لا يستبعد أن يكون السبب الأساس لهذا الانتشار في هذه المنطقة ذات الخصوصية المعروفة، ما قيل عن تصاعد حدة الخلاف بين أركان معروفين في النظام على خلفية أحداث الاغتيالات التي حصلت في دمشق وشمال سوريا، للقيادي في حزب الله عماد مغنية والضابط السوري الكبير وغيرها·
مهما يكن السبب من وراء الانتشار العسكري السوري، وهو ما يتضح في نهاية الأمر، الا ان الواضح ليس مكافحة <التهريب> كما رُوّج لذلك من الدوائر الرسمية السورية المعنية، لأنه لو كان الهدف الحقيقي هو ما قيل، لما كانت المنطقة الممتدة من شمال لبنان والممتدة للحدود الشرقية حتى تخوم البقاع الغربي والجولان، والبالغ طولها مئات الكيلومترات، وكلها مناطق تنشط فيها عمليات التهريب على قدم وساق، نظراً لطبيعتها الوعرة والملائمة، مستثناة من خطة مكافحة التهريب المعلنة، وإلا لما كان الجيش السوري بكامله يكفي لتغطية هذه المنطقة، إذا أخذنا بالاعتبار مقياس العشرة آلاف جندي لتغطية مسافة المئة كيلومتر شمالاً لهذه الغاية·