الحريري في حركة المصالحات الأهلية وفي لقائه بـ"حزب الله" يلتزمُ معنى 14 آذار "التلاقي والوصل"
رفضَ السلاح في 7 أيّار ويعملُ على إلغاء مفاعيله اليوم
وضع رئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري لقاءه مع وفد "حزب الله" أوّل من أمس، في إطاره المحدّد. فقال إنّ اللقاء يهدف إلى "فكّ الإشتباك الأهليّ وتهدئة النفوس وتخفيف حالات التشنّج ورفع الظلم عن بيروت"، لافتاً إلى أنّ من شأن ذلك "كسر جليد قاسٍ" تراكم في القلوب.
الحريري و"برنامج الخطوات"
لا شكّ أن الأهداف التي حدّدها الحريري، هي بمثابة برنامج عمليّ أو هي عناوين لمهمات عملية يجب أن تبدأ فوراً.
فمن أجل "فكّ الإشتباك الأهليّ" و"تهدئة النفوس وتخفيف التشنّج" رفعاً للظلم عن بيروت، لا بدّ من خطوات عمليّة. وهذه الخطوات العمليّة، في يد "حزب الله" أن ينفّذها، باعتباره الطرف الذي "هجم" على بيروت.
والخطوات المقصودة كثيرة. إزالةُ الصور واليافطات والشعارات واحدةٌ منها ولعلّها "أبسطها". وقفُ التعديّات على الناس وأملاكهم وأرزاقهم في أحياء العاصمة، واحدةٌ من الخطوات أيضاً. تمكين أهالي بعض المناطق البيروتيّة من العودة إلى بيوتهم والإستقرار فيها بأمان.. خطوةٌ أيضاً. وإزالةُ السلاح والمظاهر المسلّحة وصولاً إلى إنهاء المربّعات الأمنيّة، خطوةٌ أكبر ولا بدّ منها. أمّا "أم الخطوات" فهي تمكين الدولة، أي جيشها وقواها الأمنيّة، من السيطرة على عاصمة لبنان المفترض أن تكون منزوعةً من السلاح الذي لا ينتمي إلى الدولة.
.. في إنتظار اللقاء بنصرالله
يمكنُ التدرّج في تنفيذ تلك الخطوات. لكن قطعاً يجب أن تنفّذ وفقاً لجدول زمنيّ سريع. يمكنُ لبعضها أن يتمّ تمهيداً للقاء بينَ زعيم "تيّار المستقبل" والأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله، ومن أجل ألاّ يبدأ هذا اللقاء "من الصفر". لكن من المهمّ جداً أن يُنتج اللقاء عندما يُعقد تأكيداً على أمن بيروت من ضمن برنامج الخطوات المشار إليها.
على أنّه وفي إنتظار لقاء الحريري ـ نصرالله، بل ربّما في إنتظار "ما يمكن" أن يتضمّنه خطاب نصرالله اليوم، لا بدّ من مقاربة "معنى" الإطار الذي وضع الحريري لقاءه بـ"حزب الله" فيه.
لا يريد وليس لا يستطيع
فالإطار المحدّد للقاء أوّل من أمس ولـ"ذروته" في الإجتماع مع السيّد، هو أنّ سعد الحريري يتطلّع إلى طيّ صفحة 7 أيّار، أي إلى إعادة الأمور ـ في العاصمة ولبنان كلّه ـ إلى سياق طبيعي، من أجل إستئناف المسار السلميّ الديموقراطيّ.
في 7 أيّار، كان قرارُ سعد الحريري قاطعاً برفض استخدام السلاح ردّاً على إستخدام "حزب الله" وحلفائه السلاح لحسم الخلاف السياسيّ بل إلغاء الصراع السياسيّ. و"يجب" أن يكون واضحاً أنّ الحريري رفض يومئذٍ إستخدام السلاح، ليس لأنّه لا يستطيع إستخدامه، أي السماح لمحازبيه ومناصريه وجمهوره بالتسلّح، لكن لأنّه لا يريد السلاح أصلاً.
دفعاً للحرب الأهليّة
في 7 أيّار، كان قرارُ الحريري ثقافياً ـ سياسياً ـ وطنياً. ذلك أنّه لو سمحَ لنفسه وتيّاره وناسه بأن يُستدرج إلى إستخدام السلاح، لكانَ دفعَ البلد في الاتجاه الذي كان يريدُه الآخرون، أي الحرب الأهليّة. ولذلك، فإنّ قرار الحريري ـ أي موقفه ـ في 7 أيّار، منع الحرب الأهليّة. بيروت أحبطت الحرب الأهليّة.
ولا يخفى على أحد أنّ الحرب الأهليّة مثّلت "المشروع" الذي حملَه فريق 8 آذار، ردّاً على 14 آذار وعلى صمودها وثباتها، وعلى وجودها في موقع "المبادرة السياسيّة". الحرب الأهليّة هي إذن سبيلُ الفريق الآخر إلى "التحكّم".
الآن، أي باللقاء مع "حزب الله" ـ وأمينه العام في وقت لاحق ـ يستكملُ سعد الحريري ما "بدأه" في 7 أيّار. أي أنّ سعد الحريري اليوم هو نفسُه سعد الحريري في 7 أيّار. فالذي رفض إستخدام السلاح، يعمل اليوم على إلغاء مفاعيل إستعماله من جانب "حزب الله" وحلفائه. والذي منعَ قرارُه وموقفُه إنفجار حرب أهليّة، يعمل اليوم على إنهاء مخلّفات فترة سوداء.
14 آذار: الأصل "التلاقي"
هذا في "معنى" الإطار الذي وضع الحريري فيه اللقاء مع "حزب الله". ماذا بشأن الأبعاد الوطنية والثقافية؟.
حقيقةُ الأمر هنا، أنّ زعيم "المستقبل" يستمدّ رؤيتَه إلى السلم الأهلي من "جوهر" 14 آذار و"فلسفتها".
حركةُ 14 آذار 2005، في ذكرى مرور شهر على جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري، عبّرت عن "التلاقي" اللبنانيّ، الإسلاميّ ـ المسيحيّ، حولَ عناوين الإستقلال والسيادة والحريّة والديموقراطية. ولذلك، كانت 14 آذار رداً على "الإنقسام" الذي فرضته الوصاية السوريّة على لبنان واللبنانيين لمنعهم من "التلاقي" على الإستقلال "منها". إذاً، "التلاقي" ضدّ "الإنقسام". و"التلاقي" هو الذي صنع إنتصار 2005.
ضدّ الإنقسام.. و"ثقافة الوصل"
ردّاً على حركة 14 آذار وإنتصار 2005، كانَ المسار الذي بدأه فريق 8 آذار خريف 2006 وتوّجه في أيّار 2008، وهذا المسارُ قامَ على بعث "الإنقسام" وتجديده، وعلى الذهاب به إلى "شفير" الحرب الأهليّة. إذاً، "الإنقسام" وصولاً إلى الحرب الأهليّة من أجل هزيمة 14 آذار وتحقيق إنتصار مضاد "على" لبنان.
والآن، فإنّ تحرّك سعد الحريري منذ بداية شهر رمضان المبارك.. حتّى لقائه "حزب الله"، إنّما يمثّل الردّ الـ14 آذاريّ على "الإنقسام"، لا بل يمثّل شجاعة "الإستيعاب" لمنع "الفتنة" وإنقاذ السلم الأهليّ.
قامت 14 آذار على "التلاقي". وفي مؤتمرها الأوّل في 14 آذار الماضي في "البيال"، قالت الحركة الإستقلاليّة إنّها تبني على "ثقافة الوصل". وما يقوم به الحريري يترجمُ "ثقافة الوصل" هذه. "الوصلُ" يعني منع "المتاريس الأهليّة"، يعني "الإنفتاح الإجتماعيّ الأهليّ". يعني القدرة على خوض الصراع السياسيّ وشتّى "المنافسات" من دون أنّ يتعرّض المجتمع الأهليّ والسلام الداخليّ إلى التقويض. إذاً، "الوصل" في مقابل "الفصل"، لأن الأوّل يجيز الصراع السلميّ ويلتزم الديموقراطيّة، والثاني يؤسّس للحرب الأهليّة.
جعجع وشجاعة الإعتذار
والشيء بالشيء يُذكر. فقبلَ أيّام كانَ رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع شجاعاً قويّاً في إعتذاره عن أخطاء الماضي. وكانَ في إعتذاره هذا يترجمُ "ثقافة" 14 آذار، "ثقافة الوصل". وبدلاً من ملاقاته، ما يقتضي إعتذارات عن أخطاء وما أكثرها، حاول "مسيحيّو 8 آذار" إستفزازه لإستدراجه كي يعود إلى "ما قبل الإعتذار". لكنّه أغاظهم بصلابته. هوَ التناقض بين "وصل 14 آذار" و"فصل 8 آذار".
إذاً، تأسيساً على ما تقدّم، ثمّة تنويه "واجب" بحركة سعد الحريري بما في ذلك لقاء قريطم أوّل من أمس مع وفد "حزب الله". وذلك في إطار الطموح الـ14 آذاريّ إلى مسار سياسيّ طبيعيّ، سلميّ وديموقراطي.